أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٤٩ - الصلة الثالثة في سرّ القراءة
الأوّل: أن يكون أمرا بالتعمّق، فالمعنى: ليتعمّقوا فيه.
الثاني: أن يكون نهيا عنه، فالمعنى: لا يتعمّقوا كثيرا بأفكارهم، بل يقتصروا في معرفته سبحانه على ما بيّن لهم.
الثالث: أن لا يكون بمعنى الإنشاء، سواء كان أمرا كالأوّل، أو نهيا كالثاني، بل هو إخبار، و مبيّن للضابط و المعيار الذي يعرضون أفكارهم عليها، فلا يزلّوا و لا يخطأوا، ثم قال ;: و الأوسط أظهر، أي: كونه نهيا عن التعمّق بأفكارهم أظهر؛ للزوم الاقتصار على ما بيّن لهم [١].
أقول: الظاهر هو الأخير، إذ لا مجال لحمل قوله ٧: «متعمّقون» على الإنشاء أوّلا، و لكفاية الآيات الدالّة على أنّه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، و أنّهم لٰا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً، و أنّه لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ ثانيا بلا فاقة الى نزول هاتين السورتين، و لأنّ نطاق هاتين السورتين مفيد لغير واحد من الأوصاف الإلهيّة الّتي ترتعد فرائص العقول حولها ثالثا، و لو كان الهدف السامي لنزولهما هو النهي عن التعمّق و نحو ذلك لكان لهما لسان آخر، فالصواب هو: أنّ محتواهما بيان للمعيار النهائيّ في التوحيد حتّى تعرض عليه الأفكار و الآراء كما استنبطه أساطين الحكمة، فمحتوى السورتين ميزان قسط لا يحيد، فلا بدّ من عرض المعارف عليه.
و من هنا يظهر: أنّ ما أفاده بعض مشايخنا [٢]- (قدّس سرّه)- من: أنّ الأظهر أنّ الرواية ذمّ للمتعمّقين إلى الّذين يتصدّون لمعرفة ما لا يناله الإنسان من ذات اللّه تعالى، و أمر لهم بالاكتفاء بمفاد الآيات [٣] ليس بتامّ؛ لأنّ المطلب المذكور و إن كان حقّا في نفسه- لأنّ التصدّي لما لا ينال تهلكة و تيه- و لكنّ السورتين قد اشتملتا على معارف جمّة لم يكن في وسع من قدّمه الدهر أن ينالها، كما لم يؤثر عنهم ما نالته رجال من فارس، و لو لم يصدّر قوله- ;- بما نقل عن صدر المتألّهين- قدّس
[١] مرآة العقول: ج ١ ص ٣٢٠ ط دار الكتب الإماميّة.
[٢] هو العلامة الشعرانيّ ;.
[٣] الوافي: ج ١ ص ٣٦٩.