أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٣٠ - الصلة الثانية في سرّ النيّة
إلى نقلها؛ لكثرتها و معروفيّتها، و لا نصيب للعامل إلّا بنيّته و مقدارها و كيفيّتها.
و الشاهد عليه ما روي عن رسول اللّه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنيّات، و لكلّ امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند اللّه فقد وقع أجره على اللّه، و من غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلّا ما نوى» [١]. و في وصيّة رسول اللّه- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- لأبيّ ذرّ: «و ليكن لك في كلّ شيء نيّة، حتّى في النوم و الأكل» [٢].
فالنيّة بمعنى: قصد التقرّب من اللّه سبحانه هي روح العمل الذي بها يحيى و بدونها يموت، و لا أثر للميّت، و بها تصحّ العبادة، و بدونها تبطل. و حيث إنّ للنيّة درجات فللصحّة مراتب و إن كانت مشتركة في أصل الامتثال، و سقوط الإعادة أو القضاء و لكن لكلّ من تلك المراتب ثواب يختصّ بها، و قرب يحصل منها، و لا يحصل ذلك الثواب أو القرب بدونها.
و حيث إنّ المواقف الهامّة يوم القيامة ثلاثة: من النار، و الجنّة، و الرضوان- كما أشار إليه قوله تعالى «وَ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰانٌ» [٣]، و أنّ الشؤون العمليّة الرئيسيّة للنفس الإنسانيّة ثلاثة أيضا: من الغضب الدافع للمنافي، و الشهوة الجاذبة للملائم، و العقل العمليّ الشائق للكمال التامّ المجرّد المعقول- فلذا صارت العبادة ثلاثة أقسام، و صار العبّاد ثلاثة [٤]، حيث إنّ قوما يعبدون اللّه سبحانه خوفا من النار و تلك عبادة العبيد، و إنّ قوما يعبدونه تعالى شوقا إلى الجنّة و تلك عبادة الحرصاء، و إنّ قوما يعبدونه تعالى حبّا له تعالى و تلك عبادة الأحرار الكرام.
و كلّ واحدة من هذه العبادات الثلاثة صحيحة و إن كانت للصحّة مراتب في الثواب حسبما أشير إليه؛ لأنّ كلّ واحدة منها للّه تعالى لا لغيره محضا، و لا له و لغيره
[١] جامع أحاديث الشيعة: ج ١ ص ٣٥٨.
[٢] المصدر نفسه: ص ٣٥٩.
[٣] الحديد: ٢٠.
[٤] جامع أحاديث الشيعة: ج ١ ص ٣٧٣.