أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٣٧ - الصلة الثانية في سرّ النيّة

فالإنسان بنيّته لا ببدنه، و هذا الحديث من غرر الأحاديث المأثورة عن أهل البيت :، لتفسيره حدّ الإنسان بأنّه حيوان ناطق ناو، إذ لو لا النيّة الّتي هي السرّ المستودع لما بلغ الإنسان نصابه اللازم، فهو بعد غير بالغ.

و الشاهد الآخر على أصالة النيّة: أنّها إذا تحقّقت و قويت تكون الصلاة مناجاة مع اللّه، و معراجا للمصلّي، و إذا ضعفت و ذهل المصلّي عنها تفقد تلك الصلاة صبغة النجوى و يصير المصلّي مستحقّا للويل، كما قال تعالى «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ.

الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ. وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ» [١].

إنّ المصلّي الناوي الذي تكون نيّته خالصة لا يكون جزوعا و لا منوعا، بل هو ممّن في ماله حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ [٢]، و المصلّي الساهي الذي تكون نيّته مشوبة بالذهول يرائي و يمنع الماعون، و كم فرق بينهما، و مدار الفرق إنّما هو النيّة في الأوّل، و الذهول عنها في الثاني، لا فعل الصلاة ظاهرا لاستوائها في الحالين، و سيوافيك تفصيله في الصلات القادمة.

فتبيّن في هذه الصلة أمور:

الأوّل: الفرق بين النيّة بمعنى قصد القربة، و بين قصد العنوان.

الثاني: اهتمام الدين بالنيّة في الكتاب و السنّة.

الثالث: أصالة النيّة و تبعيّة العمل.

الرابع: تثليث النيّة حسب تثليث مواقف القيامة.

الخامس: صحّة عبادة الخائف و الشائق كصحّة عبادة الشاكر و المحبّ.

السادس: الفرق بين البحث الكلاميّ و الفقهيّ، و بين البحث العرفانيّ الناظر إلى سرّ الصلاة.

السابع: طريق الجمع بين أفضليّة أحمز الأعمال، و بين كون النيّة خيرا من العمل.


[١] الماعون: ٤- ٧.

[٢] راجع سورة المعارج: ٢٠- ٢٥.