أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ١٥ - الفاتحة في أسرار مقدّمات الصلاة

فعلى المتوضّئ أن يتطهّر عن كلّ ما ورد فيه أنّه نجس أو رجز أو قذارة و رين و دنس، نحو: الشرك الذي هو الظلم العظيم و الرجس الكبير، حيث قال سبحانه:

«إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» [١]، و قال تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» [٢]، و قد قال أيضا «وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» [٣]، يعني: أنّ أكثر المؤمنين مشركون، فأكثرهم نجس بالقذارة الباطنة و إن كانوا طاهرين ظاهرا؛ و ذلك لأنّ مشاهدة غير اللّٰه تعالى و الاعتماد على غيره و الثقة بغيره و الاستناد الى غيره في شي‌ء من الأقوال و الأفعال و الأحوال شرك في الباطن، مخالف للتوحيد الخالص، فعلى المتوضئ أن يتطهّر من ذلك الرجس الباطنيّ أيضا حتّى يصير موحّدا خالصا صالحا لأن يناجي ربّه؛ لكي يناجيه ربّه، و هذا المتطهّر مؤمن لا ينجّسه شي‌ء، كما في المحاسن [٤] عن أبي جعفر ٧. و لمّا كانت المعاصي و الذنوب متفاوتة لأنّ بعضها أقذر من بعض، و كانت الطهارات متمايزة لأنّ بعضها أطهر من بعض كانت الملائكة الّتي يخلقها اللّٰه من كلّ قطرة من الوضوء الخالص أو يمثّلها بصورها- أي: بصور الملائكة- متفاضلة، بأن يكون بعضها أفضل و أرفع من بعض؛ لأنّهم ليسوا سواء كما ورد فيهم «وَ مٰا مِنّٰا إِلّٰا لَهُ مَقٰامٌ مَعْلُومٌ» [٥] فمن كانت طهارته أتمّ كانت الملائكة الّتي تتمثّل تلك الطهارة بصورتها أكمل، و هكذا.

و من الملائكة من هو مبعوث للأمور العلميّة، و منهم من هو مأمور بالأمور العمليّة، و للعلم مراتب، و للعمل درجات، فكلّما كانت الطهارة أكمل كانت الملائكة العلميّة أو العمليّة أتمّ حتّى ينتهي الأمر الى من هو جامع بين مراتب العلم و درجات العمل.

و قد تقدّم أنّ لكلّ موجود في عالم الطبيعة له وجود تامّ و كامل لدى اللّٰه سبحانه، و يشهد له ما ورد في خصوص الصلاة، و ما لها من المقدّمات و الأركان‌


[١] لقمان: ١٣.

[٢] التوبة: ٢٨.

[٣] المحاسن: ج ١ ص ٢٢٥.

[٤] يوسف: ١٠٦.

[٥] الصافّات: ١٦٤.