أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ١٧ - الفاتحة في أسرار مقدّمات الصلاة

الربّ لا بدّ و أنّ يكون مغسولا بماء يجري من ساق العرش، أو نازلا منه، و أنّ اليدين اللتين تلقيان كتاب اللّٰه و كلامه لا بدّ و أن تكونا مغسولتين بذلك الماء الجاري أو النازل منه، و أنّ الرأس المبارك ببركة اللّٰه، و كذا الرجلين اللتين تطئان موطئا مباركا لا بدّ و أن يكون كلّ ذلك ممسوحا ببلل الوضوء الحاصل من ذلك الماء.

و لا مرية في الفرق بين السرّ و الحكمة و الأدب، إذ السرّ هو الوجود الغيبيّ للوضوء كما في العرش، و الحكمة هي الفائدة المترتّبة عليه كما أشير إلى شطر منها في حديث المعراج، و الأدب هو وظيفة المتوضئ للصلاة من رعاية الإخلاص و نحوه؛ لأنّ المشوب غير طاهر، و اللازم هو الطهارة الخالصة حتّى عن شهود الإخلاص؛ لأنّ من أخلص للّه و شاهد إخلاصه فليس بمخلص، كما أنّ من أخلص لتنفجر ينابيع الحكمة من قلبه فهو بعد ليس بمخلص، حيث إنّه نوى غير اللّٰه، و قصد أمرا سواه و هو انفجار ينبوع الحكمة؛ لأنّ المتطهّر المخلص لا يرى غير اللّٰه، فضلا عن أنّه لا يقصد غيره، و إلّا لما كان متوجّها إلى عظمة اللّٰه فقط، حسبما تقدّم في حديث المعراج.

و لمّا اتّضح سرّ الطهارة المائيّة و هكذا حكمتها يتبيّن لك الأمر في الطهارة الترابيّة، و أنّ أقصاها التذلّل لدى العزّة المحضة، و التخضّع في ساحة الكبرياء الصرف، و التخشّع عند القدرة المطلقة، نحو ما ورد في حكمة تروك الإحرام من رجحان كون الحاجّ و المعتمر أشعث و أغبر، و لذا قال اللّٰه تعالى في حكمة الطهارة الترابيّة كالمائيّة «مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [١]، إذ الطهارة الظاهريّة الحاصلة بالماء المذهب رجز الشيطان حسبما في قوله تعالى: «. وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ.» [٢] و إن لم تحصل بالتراب و لكنّ التذلّل العبوديّ يحصل به كما يحصل بالماء، فالتراب و الماء من هذا الحيث سواء.


[١] المائدة: ٦.

[٢] الأنفال: ١١.