أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٥٨ - الصلة الرابعة في سرّ القيام و الركوع و السجود و

بالقسط، فهو قائم دائما، و لعلّ من هذا القبيل: اتّصاف بقيّة اللّه تعالى و اتّسامه- ٧- بوصف القيام و سمته.

و لمّا كان القيام لإحياء كلمة اللّه و إعلائها فمن أحياها و أعلاها فهو قائم واقعا و إن كان قاعدا ظاهرا. و من لم يحيها و لم يعلها فهو قاعد واقعا و إن كان قائماً ظاهرا حسبما يذكر في تفسير القيام للجهاد، و القعود عنه، من أنّ المدار هو: إحياء الدين بالجهاد و الاجتهاد، و إعلاء كلمة الحقّ بالإيثار و النثار، سواء كان المجي‌ء قائماً أو قاعدا على ما بينهما من الميز المقوليّ؛ لأنّ كلّ واحد منهما من مقولة الوضع، و لا اعتداد بالقيام البدنيّ تجاه قيام القلب بإحياء الدين و صون تراثه عن الضياع، و لعلّ من هذا القبيل: هو ما قاله أمير المؤمنين عليّ ٧: «. و ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، أو نقصان من عمى» [١]. و ما قاله- ٧- في وصف أولياء اللّه «. بهم قام الكتاب و به قاموا»؛ لأنّ المراد من قيام القرآن بهم: هو ظهوره العلميّ في القلوب، و الأذهان، و أثره العمليّ في الجوارح و الأبدان بإرشادهم و تبليغهم، كما أنّ المراد من قيام هؤلاء الأولياء بالقرآن: هو علمهم و عملهم به، و تعليمهم الناس الكتاب و الحكمة و تزكيتهم بما يبعدهم عن النار، و يقرّبهم إلى الجنّة، و يزلفهم إلى لقاء اللّه سبحانه.

و من هنا يظهر أيضا معنى قول عليّ- ٧- في طعن النفاق، و قدح المنافق:

«. قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا، و لكلّ قائم مائلا.» [٢].

و الحاصل: أنّ القيام إنّما هو تمثّل للحالة الّتي بها يقدر العبد على المسارعة، ثمّ الاستباق، ثمّ الإمامة بأتمّ وجه، فمن قام و استقام للّه تتنزّل عليه الملائكة و تبشّره بالولاية الطاردة للخوف و الحزن، كما قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اللّٰهُ ثُمَّ اسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلٰائِكَةُ أَلّٰا تَخٰافُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» [٣].


[١] نهج البلاغة: الخطبة «١٧٦».

[٢] المصدر السابق: الخطبة ١٩٤.

[٣] فصّلت: ٣٠.