أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٤٥ - الصلة الثالثة في سرّ القراءة
«وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مٰا يَشٰاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ» [١].
و السبب في التثليث المذكور هو ضعف الممكن عن التكلّم، أو الاستماع بلا وسيط دائما، بل إنّما هو للأوحديّ من الإنسان حيّنا، و حيث إنّ تكلّم العبد مع مولاه فرع تكليم اللّه إيّاه و كان ذلك على ثلاثة أنحاء كان تكلّم العبد أيضا كذلك، و لا بدّ هنا من التنبّه لأمرين:
أحدهما: أنّ اللّه الحائل بين المرء و قلبه أقرب إلى المصلّي المناجي من نفسه إليه فضلا عن غيره، فلا وسيط و لا حاجب من ناحيته تعالى، إنّما الوساطة و الحجاب من جانب المستمع الواعي دائما.
و ثانيهما: أنّ الحجاب المنتفي في القسم الأوّل من الأنحاء الثلاثة إنّما هو بالقياس إلى النحوين الآخرين المذكور أحدهما في القسم الثاني، و هو ما يكون من وراء حجاب، و الآخر في القسم الثالث، و هو ما يكون بإرسال الرسول. و أمّا بالقياس إلى نفسه فهو أيضا حجاب لا محالة؛ لأنّ الممكن المحدود يكون أصل وجوده و حدّه و تقيّده و تعيّنه حجابا عن شهود الوجود البحت، المطلق المنزّه عن الحدّ المقدّس عن القيد، فلا حجاب بينه و بين اللّه سبحانه إلّا نفسه كما أشار إليه بعض النصوص.
و من هنا يمكن أن يقال بأنّ التكليم منحصر في وراء الحجاب، و كذا النجوى منحصر فيه، و لقد أفاد صاحب الفتوحات حصر المناجاة في وراء الحجاب [٢]، و إن كان الحقّ هو: كون الحصر من جانبي التكليم و النجوى، و كون منشإ الحجاب فيهما هو قصور الممكن و ضعفه، حتّى في مرتبة الفناء الذي لا يشاهد فيه الفاني نفسه؛ لأنّ ذاته المحدودة و إن لم تكن مشهودة حينذاك و لكنّها ليست معدومة، و إلّا لما كان الفناء كمالا، بل موجودة، فإذا كانت موجودة فلها حكمها الخاصّ من
[١] الشورى: ٥١.
[٢] الفتوحات المكّيّة: ج ١ ص ٤١٠.