أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٤٤ - الصلة الثالثة في سرّ القراءة
تعالى فلا معين إلّا هو، و لذلك يناجي ربّه بقوله «إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» بتقديم ما تقدّمه يفيد الحصر، و حيث إنّ اللّه سبحانه معين من استعانة فيعينه بما استدعاه، و يهديه إلى صراط الّذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، و حسن أولئك رفيقا، فهؤلاء الّذين هم على الصراط المستقيم- و هم المنعم عليهم- هم الّذين يعبدون اللّه سبحانه و يناجونه، و المصلّي يرى نفسه معهم، و هم الّذين لم يخلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا، بل هم الّذين خلصوا من دم الإفراط، و روث التفريط، و نجوا من الغضب و الضلالة، و قالوا: ربّنا اللّه و استقاموا، فتتنزّل عليهم الملائكة المبشّرات.
و المصلّي إذا نجا من جانبي الغضب و الضلال و مشى على الصراط السويّ و أخلص عبادته للّه تعالى يأتيه اليقين، أي: عين اليقين، فيشاهد ما فهمه بالبرهان، و يجد ما وعده القرآن بقوله تعالى «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» [١]، إذ المراد من الآية: هو بيان الفائدة، لا الغاية؛ لأنّ معناها: أنّ من بركات العبادة و فوائدها هو: حصول اليقين، لا أنّ المراد منها هو تحديد العبادة و تعيين حدّها به، بحيث إذا حصل اليقين ما زالت الحاجة إلى العبادة، بأن تكون العبادة بمنزلة النعلين، حتّى إذا بلغ السالك إلى الوادي المقدّس- اليقين- يلزم خلعهما، بل العبادة بمنزلة المقدّمتين للنتيجة، و المرقاة للصعود إلى الدرجة الراقية، بحيث يلزم حفظ المقدّمتين للنتيجة حدوثا و بقاء و كذا صون السلّم للصعود، حتّى إذا زالت المقدمتان زالت النتيجة، و إذا سقط السلّم هبط الصاعد كهبوط الشيطان المرجوم بقوله تعالى:
«فَاهْبِطْ مِنْهٰا فَمٰا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهٰا» [٢].
ثمّ إنّ المصلّي المناجي ربّه قد يكون نجواه بلا وسيط من حجاب أو رسول، و قد يكون من وراء حجاب، و قد يكون بوساطة رسول، كما أنّ اللّه تعالى المتكلّم لعبده لا يكلّمه إلّا بأحد الأنحاء الثلاثة حسبما أفاده في سورة الشورى، حيث قال تعالى:
[١] الحجر: ٩٩.
[٢] الأعراف: ١٣.