أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٣٦ - الصلة الثانية في سرّ النيّة
«إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»؟ قال: القلب السليم: الذي يلقى ربّه و ليس فيه أحد سواه، قال: و كلّ قلب فيه شرك أو شكّ فهو ساقط، و إنّما أراد بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة [١]. و القطب الراونديّ في لبّ اللباب، عن النبيّ- ٦- أنّه سئل، ما القلب السليم؟ فقال: «دين بلا شكّ و هوى، و عمل بلا سمعة و رياء» [٢].
و إذا كان القلب و عاء لعدّة من الأهداف و الأغراض الّتي يجمعها حبّ الدنيا فكيف يكون العمل الصادر عنه للّه وحده؟ و حيث إنّ الإخلاص صعب الوصول فقد أمر بالزهد و نحوه لا لنفسه، بل لحصول ذلك الهدف السامي. و الإخلاص بالمعنى الذي هو سرّ من أسرار اللّه ليس أمرا ذهنيّا حصوليّا، بل هو أمر عينيّ حضوريّ، فعليه يكون مقاما معلوما لدى اللّه سبحانه لا يتخطّاه إلّا من ارتدى برداء المحبّة، أي: كان محبوبا للّه بعد أن كان محبّا للّه تعالى. و قد تقدّم: أنّ بين عبادة العبيد و عبادة الطمعاء (التجّار) و بين عبادة المحبّين الأحرار فرقا، فضلا عن عبادة المحبوبين، سيّما إذا بلغوا- أي: المحبوبون- مرتبة المخلصين- بالكسر- الّذين إذا جدّوا و اجتهدوا و هاجروا من غير اللّه إليه تعالى يستخلصهم اللّه لنفسه، فيصيرون مخلصين- بالفتح-، و هنا لك تتبيّن روح النيّة و سرّها الّتي هي روح العمل و سرّه، فالعمل حيّ بالنيّة، و هي تحيي بسرّها الذي هو الإخلاص، الذي هو سرّ من إسراره تعالى المودع في قلب من أحبّه تعالى و لم يحبّ سواه، سواء نفسه أو غيره.
و ممّا ينبّه على أنّ النيّة هي روح العمل و أنّها أصل حاكم عليه هو ما قاله مولانا الصادق ٧: «ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة» [٣]، لدلالته على أنّ العمل البدنيّ تابع للقصد القلبيّ وجودا و عدما، و قوّة و ضعفا، بحيث يدور العمل البدنيّ مدار النيّة في جميع ما أشير إليه، حتّى أنّ البدن الضعيف يقدر على العمل إذا قويت النيّة، كما أنّ البدن القويّ يضعف عنه إذا ضعفت النّيّة،
[١] جامع أحاديث الشيعة: ج ١ ص ٣٦١.
[٢] جامع أحاديث الشيعة: ج ١ ص ٣٦١.
[٣] وسائل الشيعة: ج ١ ص ٣٨ ح ١٤ باب ٦.