أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٤٧ - الصلة الثالثة في سرّ القراءة

شطر من سرّها.

و ليعلم: أنّه قد ورد في شأن سورة التوحيد، و كذا الآيات الستّ من أوّل سورة الحديد ما لا ينبغي الذهول عنه، و هو ما رواه الكلينيّ- ;- بإسناده عن عاصم ابن حميد قال: سئل عليّ بن الحسين- ٨- عن التوحيد؟ فقال: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ»، و الآيات من سورة الحديد إلى قوله «وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ»، فمن رام وراء ذلك فقد هلك» [١].

إنّ التعمّق: هو التأمّل في العمق، كما أنّ التدبّر: هو التأمّل في الدبر، و حيث إنّ للقرآن بطنا بل بطونا فللتعمّق فيه مجال، كما أنّ له إنباء عمّا يأتي من الحوادث فللتدبّر فيه مجال أيضا. و القرآن آخر كتاب إلهيّ نزل، و هو خاتم الكتب و خاتم الصحف، و الناس في تكامل حلومهم إلى حدّ يليقون لظهور خاتم الأولياء و خاتم الأوصياء المهديّ المنتظر أرواحنا فداه، و حينذاك تتعالى العلوم الشهوديّة، باطّلاع غير واحد من الناس على الغيب بما يراه من نوره، و تتكامل العلوم الحصوليّة بعثور غير واحد من الأذكياء على براهين المبدأ و المعاد، فلا بدّ من علم شهوديّ جامع، و كذا من علم برهانيّ كافل، و لكلّ واحد منهما أصحاب و رجال يختصّ به، و وليّ العصر- ٧- هو المعلّم الجامع بين الغيب و الشهود، كما أنّ القرآن كتاب كافل لهما و على كاهله تعليم الحكماء، و إراءة العرفاء فلذا يلزم أن يشمل على ما لا حدّ فوقه، و لا مقام إمكانيّ وراءه، و كل حدّ برهانيّ أو مقام شهوديّ يفهمه الحكيم أو يشهده العارف فالقرآن واجد له، و حيث إنّ الأساس لجميع المعارف هو التوحيد- و كلّما كمل العلم به كمل العلم بغيره من المعارف الراجعة إليه- فلذا أنزل اللّه سبحانه ما هو الشامل لأقصى مراتب البرهان، و أعلى درجات العرفان، كما هو المترقّب من القرآن الهادي لهما إلى لقاء الرّحمن.


[١] الأصول من الكافي: ج ١ باب النسبة ص ٩١.