أسرار الصلاة - الشيخ عبد الله جوادي آملي - الصفحة ٤٦ - الصلة الثالثة في سرّ القراءة
الحجاب، فتدبّر.
فعند اتّضاح أنحاء النجوى و أنّ الأصل الحاكم في أنحائه هو كونه من وراء الحجاب و أنّ نفي الحجاب نسبيّ لا نفسيّ يتبيّن معنى الخطاب في قوله «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ»، و معنى الدعاء الشفهيّ في قوله «اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ»، كما أنّه يتبيّن سرّ تقديم التوجّه بالأولياء في افتتاح الصلاة، و قبل دخولها [١]، إذ الخطاب و الدعاء لأكثر الناس بل لكثيرهم ليس إلّا من وراء الحجاب و إن كان ذلك الحجاب من قبلهم لا من اللّه سبحانه. و أمّا الأوحديّ من الّذين استخلصهم اللّه لنفسه نجيّا فهو و إن لم يكن هناك حجاب مركوم و مركّب و لكن لا محيص هنالك عن الحجاب البسيط، و هو نفس ذاك المناجي و ذاته.
هذا نبذ ممّا يرجع إلى أصل النداء و النجوى و أنحائه، و إلى ما تحويه سورة الحمد، مع أنّ أصل الحمد من تعليم اللّه سبحانه، إذ لو حبس عرفان حمده عن عباده على ما أبلاهم من مننه المتتابعة و أسبغ عليهم من نعمة المتظاهرة لتصرّفوا في مننه فلم يحمدوه، و توسّعوا في رزقه فلم يشكروه، و لو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الإنسانيّة إلى حدّ البهيميّة، فكانوا كما وصف في محكم كتابه «إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» [٢]، على ما أفاده مولانا السجاد- ٧- في صحيفته [٣]، فعليه يكون الحمد فصلا مقوّما أخيرا للإنسان فهو ناطق حامد.
و أمّا ما يرجع إلى السورة فحيث إنّ المصلّي له الخيرة في قراءة أيّة سورة شاء من القرآن- عدا العزائم الأربع- فلا مجال للبحث عن سرّ سورة خاصّة يعيّنها إلّا بما يرجع إلى أصل الخطاب، و إلى أصل القرآن، و قد مرّ منها ما يناسب هذا المختصر، و لكن لمّا قرأ رسول اللّه- ٦- في المعراج سورة التوحيد- حسبما أمره اللّه تعالى بأن قال: «اقرأ يا محمّد نسبة ربّك قل هو اللّه أحد» [٤]- فبالحري أن يشار إلى
[١] جامع أحاديث الشيعة: ج ٥ ص ٢ و ٣.
[٢] الفرقان: ٤٤.
[٣] الدعاء الأوّل في التحميد.
[٤] راجع حديث المعراج المتقدّم.