بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٢ - فمن الأوّل قول آحاد أهل اللّسان
اللّغويّين في الموادّ إنّما يعلم بها موارد استعمالاتها من غير تمييز بين حقائقها و مجازاتها و محذور الانسداد لو سلّم لا يندفع بذلك كما لا يخفى (ثمّ) إنّ بعض من عاصرنا من الأجلّة فصّل في اعتبار قول اللّغويين تفصيلا و هو الحجّية مع سلامته عن المعارض و ما يوجب الرّيب قال و أمّا عند التّعارض فإن أمكن الجمع تعيّن و إلاّ فإن كان التّعارض بين النفي و الإثبات تعيّن القول بالإثبات ما لم يعتضده الآخر بما يترجّح عليه لأنّ مرجع الإثبات إلى الاطّلاع و مرجع النفي إلى عدم الاطّلاع غالبا و إلاّ فالتّعويل على ما كان الظنّ معه أقوى كالمعتضد بالشّهرة أو بأكثريّة اطّلاع نقلته أو حذاقتهم أو نحو ذلك (ثمّ) قال ما حاصله إنّ التعويل على النّقل إنّما هو فيما لا يمكن معرفة حقيقته و مجازه بالرّجوع إلى العرف و تتبّع الاستعمالات فلا سبيل إلى التعويل فيما يمكن استعلامه بالتّبادر و صحّة السّلب و نحوه و لذا استقر بناء الأصحاب في مسائل العامّ و الخاصّ و نحوهما إلى المراجعة إلى علائم أخر غير النقل و السرّ فيه أن التعويل على النقل من باب التّقليد فلا يجوز مع إمكان الاجتهاد و لأنّ الظّن الحاصل من التبادر أقوى من الظّنّ الحاصل من النّقل انتهى (أقول) و في كلامه زلاّت ننبّه عليها بعد إيراد مقدّمة و هي أن التّعويل على النّقل إمّا من جهة قيام الدّليل الشّرعي كالإجماع العملي أو القولي عليه أو من جهة مساس الحاجة و الدّليل العقلي المتقدّم فإن بنى على الأوّل كان قول النّاقل من الظنون الخاصة على حدّ سائر الطّرق الّتي يقوم مقام العلم مطلقا أو عند تعذّره و حينئذ فإن بنى على اعتباره من حيث إفادته الظنّ نوعا لم يقدح في حجيّته شأنا ابتلائه بالمعارض لأنّ التعارض لا يوجب خروج الحجّة عن الحجيّة إلا على القول بأنّ الأصل في تعارض الأمارتين التساقط و قد تحقق في باب التعادل و التّراجيح أن قضيّة القاعدة مع قطع النظر عن الدّليل الوارد التوقف أو التخيير و قد صرّح المفصّل في ذلك الباب ردّا على من استحال تعارض الدّليلين بأنّ قضية عموم ما دلّ على حجيّة الأمارات الشّرعية حجيّتها و لو عند التعارض و إن أراد من الحجيّة الحجيّة الفعليّة فهذا أمر بديهي لا ينبغي الالتفات إلى تدوينه مضافا إلى عدم اختصاص له بالمقام بل هو شرط عقلي سار في جميع الظّنون الخاصّة هذا بالنّسبة إلى شرط عدم المعارض و أمّا عدم ما يوجب الرّيب فلا محصّل له أصلا لأنّ الطّرق الشرعية إذا كانت حجيتها من حيث إفادتها الظنّ نوعا فلا يقدح في اعتبارها ما يوجب الوهن في حصول الظنّ منها و إن بنى على اعتبارها من حيث الوصف أي من حيث إفادته الظنّ الشّخصي فلا معنى للشّرط المزبور حينئذ لاستحالة وقوع التّعارض بين الظنّين الفعليين و من هنا يظهر فساد هذا الشّرط بناء على استناد التعويل على النقل إلى الدليل العقلي لأنّ نتيجة ذلك الدّليل التعويل على وصف الظنّ الفعلي الغير القابل للمعارضة جدّا (و كيف كان) فهذا الاشتراط في هذا المقام في كمال البرودة و الركاكة (ثمّ) إنّ التعارض في أقوال النقلة لا يتعقل و لا يتصوّر إلاّ بين النفي و الإثبات لأنّ المثبتين لا تعارض بينهما إلا بعد اتحاد الموضوع مع استحالة الجمع بين المحمولين لأنّ ثبوت الوضع لمعنى لا ينافي ثبوته لآخر فانحصر صورة عدم إمكان الجمع في التعارض بين النّفي و الإثبات أو المثبتين الراجعين إلى التكاذب فما ذكره من الاستثناء بقوله و إلاّ فإن كان التّعارض إلى آخره غفلة بيّنة و زلّة واضحة و أشدّ زلّة من الجميع ما ذكره في وجه ترجيح التبادر و نحوه من العلائم على النقل من الوجهين (أمّا الأوّل) فلأنّ التعويل على النّقل سواء كان من جهة قيام الدّليل الشّرعي عليه أو الدليل العقلي ليس من التقليد في شيء كما لا يخفى و إن أراد أنّ حجيّة قول الناقل مقصورة على مورد انسدّ طريق القطع به فهو إنّما يتمّ بناء على الدّليل العقلي و كلماته ظاهرة في أنّ التّعويل على النّقل ثبت عنده من بناء العلماء و نحوه من الأدلّة الشّرعيّة كما يفصح عن ذلك جعله له من جزئيات قول أهل الخبرة و جعله من باب التقليد فإنّ المراد به بعد القطع بعدم إرادة ظاهره كون التّعويل عليه من جهة تعبّد الشّارع و أمره و لو بنى في التعويل على غير العقل كان كغيره من الظنون الخاصّة المعتبرة مطلقا و لو مع إمكان تحصيل العلم مثل البيّنة في الموضوعات و خبر الواحد في الأحكام (فإن قلت) لعلّه يدعى أنّ قول النّقلة ظنّ خاصّ مع تعذّر العلم لا مطلقا (قلت
) و هذا أمر ممكن لكنّه مجازفة واضحة إذ لم يظهر من دليله الاختصاص إلاّ أن يقال إنّه القدر المتيقّن من عمل العلماء الّذي هو الدّليل في المسألة بل قد يدعى العلم بذلك فإن الاعتماد على الموجود في بعض كتب اللّغة من غير حصول العلم مع إمكان تحصيله بطريق آخر غير مؤدّ إلى عسر و حرج لا يظنّ التزام أحد به (و أمّا الثّاني) فلأنّ التّبادر و عدم صحّة النّفي و نحوهما ممّا تتلى من العلائم أدلّة قطعيّة على مؤدّياتها كما يأتي إن شاء الله تعالى توضيحه و تزييف حسبان كونها كلاّ أو بعضا أمارات ظنيّة فلا معنى للاستناد في تقديمه على النّقل إلى كون الظنّ الحاصل منه أقوى و ممّا ذكرنا يظهر الكلام في حجيّة مطلق الظّن في اللّغات إذ لم يقم عليه دليل شرعيّ نعم استدلّ المحقق القمّي (رحمه الله) في حاشية كتابه على ذلك بدليل الانسداد المعروف و هو على مذهبه جيّد لا على مذهب العاملين بالظنون الخاصّة و أمّا على مذهب العاملين بالظّن في الطّريق فهو مبني على قيام أمارة ظنيّة على حجيّة مطلق الظّن في الأوضاع اللّغوية و على كون الظّن في الموضوعات المستنبطة مثل الظّن في الأحكام في العلم الإجمالي بجعل الشّارع و كلاهما ممنوعان نعم على حجيّة خصوص قول اللّغوي يمكن دعوى قيام الأمارة كالإجماع المنقول و عدم ظهور الخلاف فما يظهر من مخترع هذه الطريقة و مبدعها من حجيّة مطلق الظّنّ في اللّغات فهو مبني على إجراء دليل الانسداد في خصوص الأوضاع اللّغويّة كما تقرّر في محلّه لا على دليل الانسداد المعروف في الأحكام