بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٦١ - فمن الأوّل قول آحاد أهل اللّسان
فلأنّ مراجعة العلماء إلى كتب النقلة أمر معلوم لكن عملهم بأقوالهم في صورة عدم حصول العلم أمر غير معلوم فلعلّ المراجعة إلى كتبهم لأجل تحصيل العلم كما هو الغالب الّذي اعترف به العلاّمة (قدّس سرّه) لأنّ دواعي الكذب في الإخبار بمعاني الألفاظ غير موجودة و احتمال الخطإ في الأمور السمعيّة في غاية البعد و في مثل المقام يفيد قول أهل الخبرة غالبا العلم خصوصا إذا تعدد من غير ظهور اختلاف و دعوى أن إخبار النقلة مستندا إلى اجتهاداتهم الّتي لا يؤمن الخطأ فيها مدفوعة بأنّ مستند النقل ليس إلاّ التبادر و صحّة النّفي و عدمه و ملاحظة الاستعمالات و نحوها من الأمور الحسيّة أو الراجعة إليها فإذا أخبر بعض أهل اللّسان بأنّ لفظ الأرض مثلا موضوعة لكذا فقد أخبر بما أحسّ به من الاستعمالات و سائر الأمور الوجدانية الّتي يبعد الخطأ فيها و بالجملة لم يعلم من بناء العلماء الاعتماد على قول آحاد اللّغويين بمجرّد حصول الظنّ و إنّما المعلوم شيء أعمّ من ذلك و أنّى للمستدل بإثباته (و أمّا الإجماع القولي) المستفاد من تصريحاتهم في الكتب الأصولية فقد ظهر ما فيه من عدم صراحتها و لا ظهورها في المدّعى نعم صرّح بعضهم كالعضدي و الحاجبي بكفاية النقل الظّني في ما يقبل التشكيك و فيما لا يقبله كالأرض اعتبر التواتر ناقلا للخلاف في ذلك و أنّه لا يكفي الظن مطلقا مع أن ظاهر مقالته في المقام أو صريحها استناد الحكم إلى ما يرجع إلى الدليل العقلي المزبور و ستعرف ما فيه مضافا إلى عدم بلوغ المصرّحين بكفاية النقل في اللّغة حدّا يمكن تحصيل الإجماع به (و أمّا الإجماع المنقول) في كتاب بعض المحققين فمع ما في حجيّة الإجماع المنقول موهون بما عرفت من فساد المستند و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن الثّاني أيضا لأنّ المراجعة إلى اللّغة على وجه يرجع إلى العمل بالظّن إلى يومنا لم نعلم بها من العلماء و الرّواة فكيف في زمان الأئمة (عليهم السلام) و مطلق المراجعة على تقدير العلم بها في زمانهم لا يجدي كما مرّ (و أمّا الثالث) فمع إمكان قلبه عليه لأن المقدّمات أصل بالنّسبة إلى ما يتوقف عليه فينبغي عدم اعتبار الظّن في الأصل تفرقة بينه و بين الفرع فتأمل مبني على حجيّة الظّن في الأحكام مطلقا و لا كلام لنا على هذا التقدير مع أن إلحاق الظّن بالمقدّمات على الظن بالنتيجة إنما هو من حيث الاستنتاج فلا يترتّب عليه جواز التعويل عليه في المقدّمة بنفسها مع قطع النظر عن النتيجة فالّذي يلزم القول بحجيّة الظنّ في الأحكام القول بحجيّة الظّن في الأحكام الناشئ من الظّنّ باللّغة فهذا ليس حينئذ اعتدادا بالظنّ في ثبوت اللّغة حتّى يثمر في الموضوعات مثل الأوقات و الأقارير و نحوهما مضافا إلى أن مزية الفرع على الأصل لا مساس له بالمقام و لذا ذهب الأكثر إلى عدم الاعتبار بالظنّ في الأصول و لعلّ الشّبهة حصلت من الخلط بين الوجوب و الوجود فإنّ المتفرّع على الأحكام أي وجوب العمل بها وجوب العمل بالمقدّمات لا وجودها بل الأمر في الوجود بالعكس لأنّ وجود النتيجة تابع لوجود المقدّمات فافهم و منه يظهر الكلام في الوجه الرّابع (و أمّا الخامس) ففيه ما لا يخفى لأنّ الكلام ليس في حجيّة خبر الواحد و إن أراد بخبر الواحد غير ما هو المصطلح أعني مجرّد نقل الآحاد ففيه من القياس ما ترى لأنّ حجيّة الخبر الحاكي عن قول المعصوم (عليه السلام) لا يستلزم حجية خبر من يحكي عن لسان العرب مضافا إلى ما في الخبرين من الفرق الفاحش حيث إن خبر الواحد المعمول به في الأحكام مشروط في العمل به بمثل العدالة و نحوها من الأمور المقرّرة في محلّه بخلاف خبر الواحد هنا فإنّه على تقدير حجيّته غير مشروط بشيء من تلك الشّروط (و أمّا السّادس) ففيه أوّلا منع بعض المقدّمات و هو انسداد العلم باللّغات غالبا إذ الظّاهر أنّ العلم باللّغات غالبا متيسّر بالمراجعة إلى علائم الحقيقة و المجازات القطعية كما ستعرف و في ما لا يوجد فيه شيء من تلك العلائم كبعض الألفاظ القليلة الاستعمال في المحاورات يمكن تحصيل العلم به غالبا من المراجعة إلى أقوال النقلة كما أشرنا فلو بقي بعض الموارد النادر خاليا عمّا يوجب العلم فيرجع فيه إلى مقتضى الأصول و القواعد العامة و ثانيا أنّ نتيجة ذلك الدّليل هو العمل بمطلق الظنّ و المدّعى هو حجيّة خصوص قول آحاد النّقلة و لذا لا يعتدّون بقول العلماء في معاني الألفاظ معتذرين بأنه ناش عن اجتهادهم و قد أجاب المنكرون لمفهوم الوصف عن فهم أبي عبيدة من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه عدم
حلّية عقوبة لي الفاقد بأنه ناش عن اجتهاده (و الحاصل) أنّ مطلق الظّن لا أظنّ القول بحجيته في الأوضاع اللّغوية كالظّن الحاصل من الشهرة و القياس و نحوهما نعم ربما يوجد في كلماتهم خصوصا المتأخّرين و سيّما المقاربين لعصرنا الاستدلال على التعويل على بعض الظّنون بأنّ المدار في مباحث الألفاظ عليه لكنا نعلم أنّ كثيرا من الظّنون لا يقولون بها مع أنّها ليست من المنهي عنها إلاّ أنّ يقال إن الظنّ الحاصل من قول أهل الخبرة هو القدر المتيقن على تقرير الكشف و أقوى من غيره على تقرير الحكومة فيقتصر فيما خالف الأصل عليه و فيه من المنع ما لا يخفى لأنّ الأولوية المزبورة غير معلومة و إن كانت مظنونة و الأقوائية أيضا غير مطّردة إذ الظنّ الحاصل من الشّهرة لا يقصر عمّا يفيده قول الآحاد من النّقلة بل ربّما يحصل من القياس و نحوه ظنّ أقوى كلّ ذلك مضافا إلى أن حجيّة قول اللّغويين لا يندفع بها محذور الانسداد الغالبي على فرض قبوله لأن أوضاع الهيئات و مداليل التراكيب و الأحوال الإعرابية و سائر الملحقات لا يتكفلها علم اللّغة لأنّها إنما يبحث عن المواد ففي غيرها لا بدّ من دعوى انفتاح طريق القطع كما هو الحق المحسوس المشاهد من المراجعة إلى النحو و الصّرف و المعاني و البيان مع انضمام مساعدة الوجدان لما ذكروه في تلك العلوم غالبا أو دعوى حجيّة ظنّ مخصوص آخر ثم إن كلمات