بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٧ - بقي الكلام في الكناية
المعنى اللاّزمي كما جوّزه التفتازاني فما المائز بينه و بين المجازات في كيفية الاستعمال و إن فرق بينهما بوجود القرينة المعاندة و عدمها فمع أنّه فرق لفظي لا معنويّ لا يتم لأنّ الكناية المقصود بها المعنى اللاّزمي خاصّة لا بدّ أن تكون مقرونة بالقرينة المعاندة لئلاّ ينتقض الغرض (و الثالث) أن الكناية على أيّ قسم كان خلاف ما يقتضيه أصل وضع الكلام و كلّ مخالف للأصل لا بدّ أن يكون مقرونا بالقرينة و القرينة لا تكون إلا معاندة لما يقتضيه الأصل لأنّ الكلام إذا لم يكن معه ما يعاند وضعه الأصلي فلا يصرف عنه إلى غيره فما معنى قولهم في الفرق بين الكناية و المجاز بأن الثاني ملزوم للقرينة المعاندة دون الأول و أيضا تعريف الحقيقة و المجاز مطلقا حتّى في العلوم الأدبية في طرفي النّفي و الإثبات أعني الاستعمال في الموضوع له و عدم الاستعمال فكيف يقال بكونها قسما ثالثا و لا بدّ في كشف الغطاء عن حقيقيّة المقام من تمهيد مقدّمة موضحة للمرام (فنقول) إن في مقام التكلّم و التحاور أمورا ثلاثة ذكر اللّفظ و إضمار المعنى و الغرض الدّاعي ثمّ الغرض الدّاعي قد يكون هي الإفادة و قد يكون غيرها كالإغراء بالجهل و محافظة النفس أو العرض كما في بعض أقسام التّورية و التقية و الإكراه و غيرها من الوجوه الخارجة عن وجوه الإفادة و غرض الإفادة أيضا على أقسام ثلاثة لأن المقصود من الكلام قد يكون إفادة معناه و قد يكون إفادة لازم المعنى و قد يكون إفادة لوازم الحكم و الإخبار و يحصل من الملفق من الوجوه الثلاثة احتمالات زائدة و الكلام هنا ليس فيها إذا عرفت ذلك (فاعلم) أنّ استعمال اللّفظ في المعنى عبارة عن الأمرين الأوّلين أعني ذكر اللّفظ و إرادة المعنى و إضماره في النفس و أمّا غرض الإفادة فالظّاهر عدم اعتباره في حقيقة الاستعمال المذكور في تعريف الحقيقة و المجاز لبداهة أن المورّي و المتقي و المكره مثلا قد يقصدون من الألفاظ معانيها فلا يصحّ سلب الكلمة المستعملة عمّا يجري في ألسنتهم تورية أو تقية أو إكراها (فإن قلت) إن المورّي لا ضرورة داعية له إلى إضمار المعنى لأنّ الإغراء بالجهل الّذي هو المقصود باستعمال اللّفظ المجرّد عن القرينة مثلا يحصل سواء أضمر المعنى عند استعمال الكلمة أو لم يضمر و كذا المتقي و المكره فإذا لم يكن هناك إرادة المعنى و إضماره في النفس لم يتحقق حقيقة الاستعمال لوضوح اعتباره في صدق الاستعمال و لذا لا يصدق على كلام النائم و الهازل و العابث و اللاّعب و أمثالهم أنّها كلمة مستعملة (قلت أوّلا) إنّه منقوض بما إذا كان الغرض من الكلام إفادة اللاّزم فإنّ إرادة المعنى حينئذ و إضماره في النّفس لغو صرف أيضا لا مساس له بغرضه الّذي هو الانتقال إلى اللاّزم لكونه قهريّا حاصلا من ملاحظة السّامع وضع اللّفظ أو ملاحظة القرينة و ستعرف جلّ ذلك (و ثانيا) أنا نتكلّم على تقدير إرادة المورّين معنى من اللّفظ و إضماره في نفسه كما هو المحسوس بالوجدان في حال التورية و كذا حال التقية و نحوها و ندّعي صدق الاستعمال حينئذ مع عدم كون غرضه شيئا من الإفادات بالنّسبة إلى المعنى المنوي بل محض الإغراء بالجهل فظهر أن صدق استعمال اللّفظ في المعنى لا يتوقف على كون المقصود من الكلام أصل الإفادة فضلا عن إفادة ذلك المعنى نعم الظاهر اعتبار أصل الغرض في الجملة في صدق الاستعمال لعدم صدقه على مثل ما يصدر من العابث و الهازل فضلا عن النائم و أمّا الإشكال المشار إليه فينحسم بعد النّقض بما إذا قصد من الكلام إفادة المعنى لا إفادة لازمه أو لازم الحكم لعدم ضرورة داعية له إلى قصد المعنى من اللّفظ أي إضماره عند التلفظ بل لو ذكر اللّفظ الموضوع فبمجرّده يحصل إفادة المعنى و لو لم يقصدها أوّلا بأنه شبهة في قبال البديهي لأنا نشاهد بالعيان أنّ المعاني كثيرا ما تكون مضمرة في النّفس في الصّورة المشار إليها (و استوضح الحال) بالمراجعة إلى وجدانك في تلك الحالات فإنّك إذا أردت التكلّم على وجه التورية نويت من اللّفظ معنى يخالف ظاهره أو التكلّم على وجه التّقية أردت من اللّفظ معناه و يدل عليه مضافا إلى البداهة ما اتفق عليه الكلّ من جواز الكذب للضّرورة مع أنّ المضطرّ إلى الكذب لا ضرورة له إلى قصد المعنى فإنّ ضرورة الكذب تندفع بمجرّد إصدار اللّفظ الظّاهر في معناه الموضوع له مثلا سواء قصد المعنى معه أم لا و مثله المتفق عليه من عدم صحّة طلاق المكره و بيعه و نحوهما من العقود و الإنشاءات مع أن أثر الإكراه إنّما يتوجه إلى اللّفظ فالغرض الداعي
إلى إجراء صيغة الطّلاق عند الإكراه إنما يحصل بمجرّد ذكر اللّفظ لأن قصد المعنى أمر قلبي لا يعقل الإكراه عليه فلا يتصوّر للطّلاق المكره عليه حينئذ مصداق خارجيّ و ثانيا أن المورّي و المتقي و المكره و الملجأ إلى الكذب قد لا يكون ملتفتا إلى تجريد اللّفظ عن المعنى فينوي المعنى حينئذ باعتبار جريان العادة على إرادة المعاني من الألفاظ المستعملة لأنّ قصد المعنى من اللّفظ أمر عادّي للإنسان فالباعث على قصد المعنى و الداعي إليه في تلك الأحوال و ما شابهها هي العادة الجارية في العرف و هذا مثل تقييد المطلقات بالقيود المتعارفة الغالبة الشّائعة مع عدم قصد الاحتراز منها فكما أن ذكر بعض الألفاظ ليس إلا لمجرّد قضاء العادة و التعارف كذلك قصد المعنى في بعض الأحيان إنّما هو باعتبار جريان العادة فالباعث له حينئذ ليس غرض الإفادة فظهر ممّا ذكر أن قصد المعنى شيء و تعلّق القصد بإفادته من الكلام شيء آخر فالمقصود بالإفادة قد يكون عين المستعمل فيه و قد يكون غيره و قد يكون واحد أو قد يكون متعدّدا و إن منعنا عن تعدّد المستعمل فيه كما هو الأشهر إذ لا ملازمة بين عدم جواز تعدّد المستعمل فيه و عدم جواز تعدد المقصود بالإفادة فإنّ الثّاني أمر غير منضبط يختلف باختلاف مقتضيات الأحوال بخلاف الأوّل فإنّه أمر توقيفي