بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٨ - بقي الكلام في الكناية
متوقف على الرخصة الوضعيّة شخصا كما في الحقائق أو نوعا كما في المجازات إذا تحقق ذلك فاتضح دفع الإشكالات المزبورة برمّتها (أمّا الأوّل) فلأن قول صاحب المفتاح منزّل على تقسيم المقصود بالإفادة لا تقسيم المستعمل فيه و كيف لا يكون كذلك مع أن عدم استعمال اللّفظ في معناه الحقيقي و المجازي قد فرع على سمع كلّ أديب و أصولي و ليس كلامه هذا مبنيا على اختياره جواز الاستعمال فإنّ سبق الكلام لإفادة اللاّزم و الملزوم أمر معتاد عند البلغاء مرضي عند العلماء طرّا و جواز الاستعمال في المعنيين بمكان من الشّذوذ قائلا و مقولا و بالجملة إرادة المعنى في باب الكناية لا يراد بها استعمال اللّفظ في المعنى بل يراد بها تعلّق الغرض بإفادته فصار حاصل كلام السّكاكي أن المعنى المقصود بالإفادة إمّا أن يكون معنى اللّفظ الحقيقي أو المجازي أو هما معا فالأوّل هي الحقيقة و الثاني هو المجاز و الثالث هي الكناية نعم في تطبيق كلامه على ما قلنا بعض التكلّفات الّذي يظهر للمتدرّب (و أمّا الثّاني) فلأنّ الفرق بين المجاز و الكناية المراد بها خصوص اللاّزم هو أن المستعمل فيه و المقصود بالإفادة في المجاز معنى واحد و هو اللاّزم و في الكناية معنيان أحدهما المستعمل فيه و هو الملزوم و الثاني المقصود بالإفادة و هو اللاّزم لا يقال الكناية الّتي أريد بها اللاّزم خاصّة كيف تكون مستعملة في معناه الحقيقي مع عدم وجوده مثل قوله طويل النّجاد حيث لا نجاد له (لأنّا نقول) عدم وجود المعنى إنّما يمنع عن تعلّق القصد بإفادته من اللّفظ لا مجرّد قصده و إضماره مقارنا لحال صدور اللّفظ فافهم هذا بحسب المعنى و أمّا بحسب الظاهر فبالقرينة الكاشفة عن الاتحاد و عدمها فإن قامت على استعمال اللّفظ في اللاّزم الّذي هو المقصود بالإفادة فهو المجاز و إلاّ فهي الكناية لأنّ الاستعمال عند عدم القرينة محمول على وجه الحقيقة (و أمّا الثالث) فلأنّ المراد بالقرينة المعاندة للمعنى الحقيقي في المجاز دون الكناية هي الّتي تعاند كون المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة فإنّها أمر لازم في المجاز لأنّ المقصود منه إفادة المعنى المجازي خاصّة بخلاف الكناية فإنّها لا تستدعي ذلك و إن كانت تجامعها أحيانا مع كون المستعمل فيه خصوص المعنى الحقيقي أو يقال إن قرينة المجاز تعاند كون المعنى الحقيقي مستعملا فيه و الكناية ليست ملزومة لمثل هذه القرينة لأنّا بيّنا الاستعمال في المعنى الحقيقي في جميع أفراد الكناية حتّى ما قصد به إفادة خصوص اللاّزم و هذا أوضح إلا أن اللاّزم أن يفرقوا بينهما بأنّ المجاز ملزوم للقرينة المعاندة و الكناية لعدمها لا أنّها ليست بملزومة له فافهم و ذكرت هذا الإشكال لبعض فضلاء العصر في فن البيان (فأجاب) بما ذكره السّلطان من أنّ المجاز يلازمها قرينة معاندة لإرادة المعنى الحقيقي مطلقا مستقلاّ و منضمّا مع إرادة المجاز و الكناية لا تستدعي مثل هذه القرينة بل قرينة معاندة لإرادته مستقلاّ خاصّة و كلام علماء البيان مبني على جواز استعمال اللّفظ في المعنيين و هو كما ترى (و أمّا) الإشكال الرابع فالظاهر وروده على من جعلها واسطة بين الحقيقة و المجاز لأنّ الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضع له باتفاق ما عثرت عليه من تعريفاتها و قد عرفت أن جميع أقسام الكناية مستعملة فيما وضع له إلاّ أن يقال إنّ الحقيقة هي الكلمة المستعملة في الموضوع له الّذي قصد إفادته من الكلام خاصّة لا مطلقا و كذلك المجاز و إنّما تركوا هذا القيد في تعريفها ثقة بما هو الغالب المتعارف من اتحاد المستعمل فيه مع المقصود بالإفادة فيخرج قسما الكناية لعدم كون الموضوع له خاصّة مقصودا بالإفادة فيها و هو حسن إلاّ أن الأوثق بكلمات القوم كون الكناية قسما من الحقيقة المصطلحة و إن شاركت المجاز في الاحتياج إلى القرينة (و لبعض) المحققين هنا تحقيقات باكرة و إفادات فاخرة و محصّل مجموع ما ذكره بعد المساعدة على ما ادّعينا من تعلّق القصد أحيانا بإفادة غير المستعمل فيه هو أن مناط الاستعمال الحقيقي كون المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة بالذات فما كانت من الكناية من هذا القبيل فهي داخلة في الحقيقة و إن قصد معه إفادة اللاّزم أيضا بالتبع و ما كان منها مسوقة لإفادة اللاّزم كذلك فهو مجاز و إن تقدّمه إرادة المعنى الحقيقي صورة و وصلة إليه لصدق حدّ المجاز المعروف عليه هذا في الكلام الذي يقصد به إفادة لازمه و أمّا ما يقصد به إفادة لازم الحكم أو نحوه من الفوائد اللاّزمة لنفس الإخبار دون المخبر به كالتلذّذ و أمثاله فهو داخل في الحقيقة لكون اللّفظ حينئذ مستعملا في المعنى الحقيقي و إن قصد به إفادة لوازم الإخبار دون المخبر به (أقول
) يرد عليه (أوّلا) أنّه إذا قصد من الكلام إفادة المعنى و لازمه على وجه الاستقلال فعلى ما ذكره يخرج عن كونه كناية معتبرة و كان من الاستعمال في المعنى الحقيقي و المجازي لأنه فسّر الاستعمال في تعريفي الحقيقة و المجاز بإطلاق اللّفظ و قصد إفادة المعنى أولا و بالذّات و من الجائز تعلّق القصد كذلك بإفادة اللاّزم و الملزوم معا و دعوى عدم صحّة مثل هذا الاستعمال مع مجازفتها نظرا إلى شيوع مثل ذلك في المحاورات خصوصا في ألسنة البلغاء يدفعها ظاهر كلمات القوم فإنّهم يعرفون الكناية بذكر اللّفظ و إرادة اللاّزم مع جواز إرادة الملزوم من دون إشارة إلى أولية و آخرية بين الإرادتين و قد عرفت كلام صاحب المفتاح و تصريحه بأن الكلمة المستعملة إذا أريد بها معناها و غير معناها فهي الكناية فإن زعم أنّ ما ذكره مراد القوم فلم نجد عليه شاهدا بل وجدنا الشهادة على خلافه و إن أراد تخطئتهم فالخطب سهل إذا أغمضنا عمّا نجد من شيوع هذا الاستعمال (و ثانيا) أنّ الفرق بين الكلام المقصود به إفادة لازم الإخبار و لازم المخبر به لم يأت في إثباته ببيان موجّه فلو كان