بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٣٥ - الثامن الأخبار الواردة
عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب و السّنة و وافق العامة (قلت) جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السّنة فوجدا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا بأيّ الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامة ففيه الرّشاد (فقلت) جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا قال ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر (قلت) فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا قال إن كان كذلك فأرجه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات انتهى و هي بظاهرها مطروحة أو مؤوّلة بالضّرورة و الإجماع فلا تصلح حجة مع ما فيها من وجوه الترجيح (أمّا أوّلا) فلأنّ قطع المنازعات و فصل الخصومات لا يناسبه تعدد الحاكم و الفاصل حتى يعتمد على التّرجيح إذا وقع الاختلاف و التعارض بين الحكمين (و أمّا ثانيا) فلأنّ مقام الحكومة آب عن الغفلة عن معارض مستند الحكم فكيف يصحّ الحكمان و يرجح أحدهما على الآخر (و أمّا ثالثا) فلأنّ اجتهاد المترافعين و تحرّيهما في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر غير جائز إجماعا و حمله على قاضي التحكيم غير دافع للمحذور إذ ليس وظيفة المحكوم عليه إعمال المرجحات و لو في قاضي التحكيم و إنّما يجوز له الامتناع عن قبول حكمه لو اعتبر رضاه بعد الحكم مع أنّ صريح صدر الرّواية ورودها في القاضي العام الشّرعي لمكان قوله و إني قد جعلته حاكما إلى آخره و كذا حمله على المفتي فإنّ وظيفة المقلّد إنّما هو العمل بقوله من دون طلب المرجحات سوى الأعلميّة (و أمّا رابعا) فلأنّ المتّبع مع التعارض هو أسبق الحكمين إذ لا يبقى للمتأخر مورد بتقدّمه اللّهمّ إلاّ أن يفرض وقوعهما دفعة و هو على فرض إمكان إحرازه في الخارج لا يصلح حمل الخطاب عليه و كذا الحمل على صورة الاشتباه لبعد الفرض أيضا مع أنّ اللازم حينئذ التّساقط أو التوقف دون الترجيح و تحسم الإشكالات كلاّ بارتكاب أمرين أحدهما إخراج الواقعة عن المخالفة و المخاصمة المفتقرة إلى القضاء بحملها على السّؤال عن حكم المسائل الخلافية المتعلّقة بالأموال الّتي هي منشأ التنازع و الجدال فيكون الحديث دليلا على تشريع القضاء في الشبهات الحكمية لا على ترجيح أحد الحكمين في واقعة جزئية على الآخر (و الثاني) تخصيص المأمور بالمرجحات بالمجتهد و لا يعد فيه في ذلك العصر كما لا يخفى فلا بدّ من الإغماض عن بعض ما ينافيها أو ينافي أحدهما من فقرات الرّواية و بعد ذلك يسهل الخطب كما لا يخفى على من تأمّل فيصير محصّل الرّواية أنّه لا بدّ في المسائل الخلافية المتنازع فيها لتعلّقها بالأموال و كونها محلّ التشاجر من الرجوع إلى رواة الحديث فكلّ ما حكم به الرّاوي أخذ به و لو اختلف أقوال الرّواة و فتاويهم أخذ بالأرجح (فإن قلت) ليس في الفتوى من المرجحات المذكورة سوى الأعلمية و ما عداه لا مساس له بالفتاوى (قلت) الرّواية و الفتوى و الحكومة في العصر السّابق كانت متّحدة المناط لأن رواة ذلك العصر كانت فتواهم روايتهم و روايتهم فتواهم و كذا الحكومة و في مثل ذلك نمنع عدم اعتبار سائر المرجحات في الفتوى بل حكمها حكم الرّواية في جميع المرجحات و السّر في ذلك أنّ الرّواة في العصر السّابق كانوا لا يرون إلاّ ما يعملون به و يفتون به فروايتهم و فتواهم سواء و لذا أمر الإمام (عليه السلام) بملاحظة مرجحات الرّواية في فتواهم الّتي كانت حكما رافعا للخصومة أيضا و أمّا محذور تعدد الحكم فهو باق لا يندفع بما ذكر لأن واقعة واحدة لا تقبل الفتويين و لا الحكمين مجتمعين فلا بدّ من تأويل و لا يبعد أن يكون المراد بقوله فاختار كلّ منهما رجلا فرضيان أن يكونا ناظرين أي رضيا أن يكون أحدهما ناظرا في أمرهما فاتفق تعارض حكمهما أي فتواهما في تلك الواقعة فأمر الإمام (عليه السلام) من تطلب مرجحات الرّواية لأنّ الحكم و الرّواية في ذلك العصر كانا متحدين في قبول المرجّحات و سائر الأمور الحادثة في الأزمنة المتأخرة من وجوه الفرق و هذه المناقشات الأربعة ناظرة إلى فقه الحديث و ربّما توجب وهنا في الاستدلال بها على أصل الترجيح و لا يجدي ظهورها بل و صراحتها فيه بعد أن كان مقطوعا بفساده للإجماع (و أمّا خامسا) فلما ذكره شارح الوافية بعد تمهيد مقدّمة لا جدوى في نقلها من أنّ اللاّزم على من يسأل عن حكم المتعارضين أن يجيب بالترجيح بإحدى المرجّحات مع أن الرّاوي سأل مرّة عن حكمهما و أجاب (عليه السلام) بالترجيح المتعلّق بالسند
ثم فرض التساوي فيه فأجاب بترجيح المشهور على الشاذّ فيشكل الأمر بأنّ الراوي إن فرض التساوي في الوجوه الأخر غير السّند ثم فرض التساوي فيه أيضا كان الجواب التوقف أو التخيير ليس إلاّ دون الترجيح بالشهرة و إن لم يفرض التساوي فيهما كان الجواب العمل بما هو أقوى ظنّا من الآخر لا بما هو أصحّ سندا منه لأنّ صحّة السّند لا تفيد الظّن مطلقا كما إذا كانت في مقابل الشهرة و معلومات أحكام الإمامية انتهى ملخّصا ثم تفصّى عنه و عن سائر ما أورده بأنّ بناء الترجيح على الاستحباب دون الوجوب و أنت خبير بأنّ الاستحباب لا يرفع هذا الإشكال مع أنّه هيّن لأنّا نختار الثاني و نجيب بأنّ الأمر بترجيح السّند إطلاقه منزل على فرض التساوي في غيره فلا إشكال إلاّ أنّ فيه ما مرّ من تنزيل الخطاب على الفرض النادر فيكون من الإيرادات العامة و الأولى أن يقال إن عدم التساوي له أسباب متعدّدة من جملتها الاختلاف في الصّفات و منها الاختلاف في مخالفة العامة و منها الاختلاف في موافقة الكتاب و منها غير ذلك و أراد الإمام (عليه السلام) إلقاء القاعدة و تعيين القانون بإيجاب الأخذ