بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٣٤ - الثامن الأخبار الواردة
هنا كان العمل بهذه الأخبار واجبا سليما عن المعارض و هو واضح و منها أنّ هذه الأخبار كلّها من قبيل الخطابات الشفاهية فلا يتعلّق بالغائبين إجماعا إذ الخلاف في الشمول و عدمه إنّما هو في خصوص خطابات الكتاب لتشبيهه بتأليف المؤلّفين فلا بدّ في احتراز ما فيها من وجوب الترجيح بالوجوه المذكورة في حقنا من ضمّ قاعدة الاشتراك و لا ريب في اشتراطها باتحاد الموضوع كما تحقق في محلّه و هذا الشرط غير حاصل هنا لأنّ العمل بالترجيح حكم ظاهري و الأحكام الظاهريّة مختلفة باختلاف الأحوال من العلم و الظّن و الشكّ و العجز و القدرة فمن الجائز اختصاص المخاطبين في العلم بأحوال الرّواة في عصرهم و فهم الكتاب و السّنة و أقوال المخالفين بما هو غير حاصل لنا كيف و غاية ما تيسر لنا تحصيل الظّن من علم الدّراية بصفات الرّواة و كونها في بعض أقوى منها في الآخر و من التفاسير الظن بمعاني الكتاب و من المراجعة إلى كتب العامة و الخاصة الظّن بمذاهبهم و من الرّجوع إلى التواريخ الظّن بمخالفة الرّواية لفتوى فقيه عصرها الّذي يفتي عنه الإمام المروي عنه و أين هذا من العلم بهذه الأمور بالحسّ أو الوجدان فكيف يحكم باشتراكها مع المخاطبين المنفتح لهم باب العلم بها و الظن المتاخم له أو الأقوى ممّا يحصل لنا من الظّن و أيضا من الواضح اختلاف حال الرّوايات عندهم و عندنا من حيث قلّة الوسائط و كثرتها فالموضوع من هذه الجهة أيضا مختلف و منها أن المستدل بهذه الأخبار إن أراد إثبات الترجيح بالمرجّحات المنصوصة خاصّة الّتي هي محلّ التعارض من حيث عناوينها المخصوصة ففيه أنّها متعارضة ساقطة عن الاعتبار كما عرفت و دعوى نهوضها بالمدّعى في غير مادّة الإجماع الّذي نحن بصدده كما سبق مدفوعة بأنّ العمل فيه بها أيضا مشكل لما فيه من حمل الإطلاقات على الفروض النادرة و تأخير البيان عن وقت الحاجة و كيف يحمل إطلاق الأمر بأخذ المشهور على ما لو تساويا في صفات الرّاوي و سائر المرجحات أو بالعكس مع ورودها في مقام البيان و إن أراد إثبات الترجيح على سبيل الإطلاق فهي قاصرة عن ذلك إلاّ بتنقيح المناط الممنوع على المدّعى بل مقتضى إطلاقها اعتبار هذه المرجّحات مطلقا إفادة الظن أولا و هذا ينافي البناء على الترجيح على مطلق الظنّ نظير منافاة إثبات حجّيّة الأخبار بحجّيّة مطلق الظن حال الانسداد فلا بدّ لمن لا يقتصر على هذه المرجحات و يتعدى إلى كلّ مرجح من توجيه الأخبار بما يرجع إلى الظنّ بالترجيح مطلقا و من هنا يظهر أن ترديد بعض الأجلّة بعد نقل الأخبار في كون اعتبارها تعبّدا محضا أو منوطا بإفادتها مطلق الظّن أو ظنا مخصوصا من ظهور الأخبار في الاقتصار عليها و من دلالة فحواها على إناطة الترجيح بالظّن ليس في محلّه لأنه كلام من يقتصر على هذه المرجحات خاصّة و لا يتعدّى إلى غيرها فصدور مثل ذلك عنه ناشئ عن سهو القلم إذ بعد البناء على التعدي لا بدّ من الخروج عن ظاهرها و حملها على ما يرجع إلى العمل بمطلق الظن في باب الترجيح و احتمال إمكان الجمع بين الأمرين بأن يقال أمّا لترجيح بغير هذه المرجحات المنصوصة فهو منوط بالظنّ و أمّا هي فبأحد الوجوه الثلاثة في غاية الفضاعة و الشناعة بل مقطوع بفساده و مدفوع بالإجماع كما لا يخفى و منها أنّها مختلفة الترتيب و مختلفة العدد ففي بعضها قدّمت الشهرة و في بعضها قدم السّند و بعضها اقتصر على مرجح واحد و بعضها على الاثنين و بعضها على الثلاثة و هكذا و هذا قرينة واضحة على عدم وجوب الترجيح بل يستحبّ كذا في الترجيح في شرح الوافية و فيه أن كونه قرينة على أنّ المقصود هو الترجيح بقوة الظنّ و ذكر المرجّحات المذكورة من باب المثال أولى ممّا ذكره هذا ما يتعلّق بالجميع من وجوه الإشكال أمّا ما يتعلّق بالآحاد فقد أورد على المقبولة بأمور و لا بدّ أوّلا من نقلها و هي أحسن ما في الباب جمعا للمرجحات رواها المشايخ الثلاثة على ما عزي إليهم قال عمر بن حنظلة سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السّلطان أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك قال من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا و إن كان ثابتا لأنّه أخذ بحكم الطاغوت و إنّما أمر اللّه أن يكفر به قال اللّه تبارك و تعالى و يتحاكمون إلى الطّاغوت و قد أمروا أن يكفروا به (قلت) فكيف يقضيان قال ينظر إلى من كان منكم
قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل فإنّما بحكم اللّه استخفّ و علينا قد ردّ و الرادّ علينا الرّادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه (قلت) فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم قال الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر قلت فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر قال ينظر ما كان من روايتهم عنا الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما و يترك الشاذ النّادر الّذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه و إنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتبع و أمر بيّن غيّه فيجتنب و أمر مشكل يرد حكمه إلى اللّه و إلى رسوله قال رسول اللّه حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ الشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم قال قلت فإن كان الخبران