بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٤ - حجّة القول بالعينيّة
الآمر لو التفت إلى الترك لكان كارها له و ناهيا عنه و هو لا يحتاج إلى الالتفات الفعلي على نحو وجوب المقدّمة كما سبق و هو ثابت بضرورة الوجدان و هو كالنّهي الفعلي في إفادة التحريم و سائر الأحكام و فيه أنّه اعتراف بمقالة المستدلّ و التزام بما لا يثمر و لا يغني إذ قد عرفت أنّ النهي المتنازع فيه هو النهي الفعلي و هو طلب الترك المستكشف بالقول و قد اعترف بعدم النهي الفعلي و النهي الشّأني ليس من النهي في شيء ضرورة أنّ النّهي من سنخ الكلام و هو طلب الترك بالقول و ليس هنا طلب فعلا و لو قلنا بعدم توقف صدق النهي على لا تفعل بل و يكفي مطلق القول الكاشف و لو كان أمرا و دعوى أنّ النهي الثاني بالمعنى المذكور نهي حكمي لأنّه يفيد فائدته في المدح و الذّم و الثواب و العقاب كما برهن في محلّه نظرا إلى استحقاق العبد التّارك لإنقاذ ولد المولى من الغرق فيعاقب و لو لم يعلم به المولى فمع ابتنائها على أصول العدلية و أهل التحسين و التقبيح فلا ينهض حجة على الأشاعرة غير مجدية في المقام إذ لا حكم لهذا النهي مضافا إلى حكم الأمر المتعلّق بالواجب و لو كان صريحا بأن يقول الآمر افعل و لا تترك لا المدح و لا الذم و لا الثواب و لا العقاب و لا شيء آخر من أحكام النّهي فليس هنا نهي حقيقي و لا ما هو في حكمه و الّذي يقتضيه التحقيق أنه على القول بمغايرة الطّلب للإرادة فالحق مع المنكرين فإن الأمر بالفعل لا يكشف إلا عن إنشاء واحد قائم بنفس الأمر و ليس له إنشاءان مستقلان قائمان بنفسه أحدهما متعلّق بالفعل يسمّى أمرا و الآخر بالترك يسمّى نهيا و هذا واضح عند من راجع الوجدان و أمّا على القول بالاتحاد فالحق مع المثبتين فإن حقيقة النهي على القول المذكور هي المبغوضية المستكشفة بالقول كما أنّ معنى الأمر هي المحبوبية المستكشفة به إذ ليس وراء اللّفظ على القول المذكور المحبوبية و المبغوضية و من الواضح أنّ الأمر الدال على محبوبية الفعل دال على مبغوضية الترك أيضا فالأمر بالشيء يكون نهيا عن ضدّه أيضا نعم قد يقال إنه يعتبر في صدقه عرفا استكشافه بصيغة لا تفعل و نحوها من صيغ النّهي و حيث لم يستكشف المبغوضية بصيغة فلا يسمّى هذا نهيا و هذا على فرض التسليم مسألة لغوية خارجة عن المسألة العقلية التي تنازع القوم فيها (فإن قلت) و على القول بأنّ الطّلب عين الإرادة لا يتصوّر النّهي الفعلي لأنّ الإرادة الفعلية منتفية أيضا مع ذهول الآمر و غفلته عن الترك فلا وجود لها أيضا فعلا فكيف يكون اللّفظ دالا عليه بالالتزام فحالها حال الطّلب بناء على المغايرة (قلت أوّلا) إنّ السؤال مبني على الفرق بين الإرادة و الحبّ و البغض و فيه بحث بل التحقيق الّذي عليه المتكلّمون أن مآلها إلى شيء واحد و هو العلم و الاعتقاد بالنفع و المصلحة فإذن يكون لفظ الأمر دالا على شيئين محبوبية الفعل و مبغوضية الترك (و ثانيا) أن الفرق بين الإرادة و الطلب النفساني المغاير لها واضح فإنّ المدار في تحقق الإرادة و سائر الكيفيّات النفسانية كالعلم و العزم و الحب و البغض و الشوق على تقرّر حقائقها في خزانة القلب فقد تكون موجودة في ضمير الإنسان و لا يشعر به إلا بعد الالتفات فيكون الالتفات شرطا للعلم بتحققها لا شرطا لأصل التحقق و لا كذلك الطّلب على مقالة الأشاعرة فإنّه إنشاء نفساني تفعل بالقلب فلا يتصور صدورها إلا بعد الالتفات إلى المطلوب هذا و يمكن تقرير الدليل المذكور بوجه آخر من غير حاجة إلى توسيط مقدمة الغفلة و توقف النهي على الالتفات بناء على مغايرة الطّلب للإرادة كما هو مذهب المستدلّ إذ لا يستلزم الالتفات إلى ترك المأمور به وجود إنشاء آخر متعلّق به كما هو واضح فالدّليل المذكور على ذلك المبنى ممّا لا جواب له
الثّالث
أي من وجوه عدم الاقتضاء رأسا ما ربما يستفاد من كلام علم الهدى في الذريعة حيث قال علي ما حكي عنه إن الّذي يقتضيه الأمر كون فاعله مريدا للمأمور به و أنّه ليس من الواجب أن يكره الترك كما في النوافل و قد استفيد من كلامه أنّ غرضه من العبارة مقايسة الواجب بالمندوب في عدم الدّلالة على النهي عن الترك و تقريب الاستدلال بوجهين (أحدهما) أنّ ترك الواجب لو كان حراما لكان ترك المندوب أيضا مكروها و التالي باطل بالإجماع فكذا المقدم (و الثاني) أنّ إيجاب الشيء لو كان مقتضيا للنهي عن تركه لكان استحبابه أيضا مقتضيا للنّهي عن تركه تنزيها و التالي باطل فالمقدّم مثله و لا يخفى ما فيهما من الوهن (أمّا الأوّل) فلأنّ بطلان التالي و إن كان مسلّما إلاّ أنّ الملازمة ممنوعة فإنّ وجوب الشيء يكشف عن مفسدة الذاتية في الترك ككشفه عن مصلحة الفعل و الاستحباب لا يكشف منقصة فيه و المكروه ما اشتمل على المنقصة فالأمر الوجوبي يدلّ على حرمة الترك و لا يدل الأمر الندبي على كراهته (و أمّا الثّاني) فالملازمة مسلّمة إلاّ أنّ بطلان التالي ممنوع لأنّ الأمر بالشيء ندبا يقتضي أيضا النّهي عن الترك تنزيها إلاّ أنّ ذلك ليس من الكراهة الشرعية المصطلح
حجّة القول بالعينيّة
أن النهي عبارة عن طلب ترك متعلّقه فإذا تعلّق بالترك يكون المطلوب ترك الترك و هو عين الفعل لكون الفعل و الترك نقيضين و كلّ منهما رفع الآخر فطلب كلّ منهما طلب لترك الآخر و لذلك ذهب إلى القول بالعينية غير واحد من أفاضل المتأخرين و قد مرّ سابقا عن نهاية العلاّمة و تمهيد الشهيد أيضا فإنّهما قالا بأنّ طلب الحركة عين النهي عن السكون و بالعكس مع أنهما ضدّان لا نقيضان و وهنه واضح إن أرادوا وجود نهي فعلا متعلّق بالضدّ و إن أرادوا أن متعلّق الأمر يصدق