بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٣ - ٤- آية التحذير
أنّ ذاكر هذا الاحتمال قال إنّ إطلاق المخالفة على هذا الوجه معروف في مخالفة بعض لبعض و فيه بعد المساعدة على ثبوته في الاستعمالات أنّ ذلك إنّما هو فيما لو أضيف المخالفة إلى الآمر دون الأمر كما في قولك خالفت زيدا فإنّ بعض موارده لا يبعد أن يكون راجعا إلى ما ذكره و أمّا في قولك خالفت أمره فمفهومه العرفي منحصرة في إرادة ترك المأمور به و ممّا ذكرنا يظهر ما في الاحتمال الأول أيضا من البشاعة لأنّ حمل الأمر على غير وجهه إن كان مدلولا لمخالفة الأمر فهو مدلول على سبيل الكناية و إلا فالمخالفة حقيقة هي الترك و ليس في حمل اللّفظ المقصود به الوجوب على الندب تركا للوجوب لأنّ الوجوب لا معنى لتركه سوى ترك الواجب و النّسبة بين ترك الواجب و بين الحمل على الاستحباب عموم من وجه كما لا يخفى فهذا الاحتمال على تقدير صحّته مدفوع بأصالة الحقيقة نعم حمل اللّفظ على خلاف مدلوله مخالف لقواعد اللّفظ و اللّغة لكن المراد بالأمر المحذر عن مخالفته ليس هو اللّفظ من حيث أنّه لفظ مع أنّ الحذر عن ذلك ليس من شأن الشارع كما لا يخفى فالإنصاف أنّ هذه المقدّمة واضحة الثبوت و المناقشة فيها جدير بالإعراض عنها و تخيل بعض المحققين تبعا للعميدي أنّ المخالفة في الآية على تقدير كون الحمل و الحكم المذكورين قسمين من أقسام المخالفة مطلقة فيستدل بإطلاقها على حرمة المخالفة بمعنى الترك فيتم المدّعى أيضا و بما ذكرنا تعرف أنّه كلام ظاهريّ لا وقع له عند إمعان النّظر لأنّ إطلاق المخالفة على الأقسام الثلاثة ليس على وتيرة واحدة بل يرجع في الحمل إلى الكناية و في الحكم إلى التجوّز في الإسناد حيث أضيف المخالفة المنسوبة إلى الآمر حقيقة إلى الأمر من باب إسناد الشيء إلى الآلة و في الترك إلى الحقيقة فكيف يمكن حملها على القدر المشترك بين الثلاثة فتدبّر جيّدا (و الرابعة) أن يكون سبب الحذر مخالفة الأمر من حيث أنّها مخالفة من دون اعتبار كونها على وجه الإعراض و إلا فمقتضى توجّه الحكم المشتمل عليه الكلام إلى ما فيه من القيود كون السّبب هو الإعراض و هو ممّا يستتبع الذّم و العقاب مطلقا حتّى في الأمر النّدبي لأنّ الإعراض عن المندوب إعراض عن فعل النادب و هو قبيح إذا كان الفاعل هو الشّارع و هذه ممنوعة بشهادة كلمة عن لكون المخالفة متعدّية بنفسها و المضايقة من تضمين خصوص الإعراض بناء على احتمال كون المتضمّن شيئا آخر لعدم دلالة عن إلاّ على وجوب التّضمين في الجملة و هو أعمّ من أن يكون المضمن معنى الإعراض أو غيره غير مجدية لأنّ الالتزام بالتّضمين و لو في الجملة اعتراف بأن الذم و التهديد غير مترتبين على خصوص المخالفة بل على مجموع الأمرين من المخالفة و غيرها و الاستدلال بها لا يستتمّ إلا على تقدير كون المخالفة بنفسها سببا لهما و أجاب المدقق الشيرواني عن ذلك ناقلا عن الفضلاء الأدباء بأن كلمة عن متعلّقة بالمخالفة باعتبار كونها شبيهة بالتجاوز فلا حاجة إلى تضمين معنى الإعراض (قلت) لو كان تصحيح الكلام مبينا على ملاحظة المشابهة سقط الاستدلال أيضا لأنّ الالتزام بهذا المجاز ليس بأولى من اعتبار التضمين مع شيوعه و فصاحته و تصريح بعض فحول الأئمة بأن الآية الشريفة من موارده فيدور الأمر بينهما من غير مرجح فيسقط الاستدلال فالصّواب أن يقال إنّ المخالفة من الأمور الّتي تتعدى و لا تتعدّى مع اتحاد المعنى إلا من حيث اللّزوم و التعدّي فيتعلّق بأصالة الحقيقة في رفع احتمال التضمين إلاّ أن يقال بلزوم التضمين في كلّ ما هو من هذا القبيل و لذا قال بعض بتضمين معنى الإشعار في قولهم علمت به لكن يدفعه ما نقل عن التفتازاني من أنّ كلّ فعل يتعدّى و لا يتعدى فالأصل فيه عدم التعدّي و أنّ التعدي مبني على خروجه عن معناه الأصلي (و يمكن أن يجاب) أيضا بأن تضمين معنى الإعراض هنا غير جائز إذ الظّاهر و لو بمعاونة وجوب رجوع الحكم إلى القيد الأخير أن للأمر مدخلية في ترتب الذم و التهديد و هو لا يجامع تضمين معنى الإعراض سواء كان الأمر في الواقع للوجوب أو للندب أمّا على الأوّل فلأنّ مخالفة الأمر الوجوبي بنفسها مقتضية للذّم فتضمين معنى الإعراض لا يرجع إلى طائل و أمّا على الثاني فلأنّ مخالفة الأمر النّدبي على وجه الإعراض و إن كان سببا للاستحقاق إلا أنّ السّبب حقيقة هو الإعراض عن فعل الحكيم من دون مدخلية للمخالفة و إلاّ كان سببيّة المخالفة على وجه الإعراض للاستحقاق أيضا في معرض المنع مع أنّ ظاهر الآية بل صريحها أن مقتضى الذّمّ هي مخالفة الأمر من
حيث أنه أمر و منه يظهر سقوط ما ذكره في المعالم من تضمين المخالفة معنى الإعراض فإن كان و لا بدّ من التضمين مراعاة لكلمة المجاوزة فالمتعيّن تضمين معنى التجاوز لو لم نقل بأن حقيقة المخالفة هو التجاوز بناء على ما أبدينا في استعمالاتها من التعدي بنفسها من غير تضمين (و الخامسة) أن يكون سبب الحذر مخالفة كلّ فرد من أفراد الأمر فلو كان السّبب مخالفة مجموع الأوامر سقط الاستدلال أيضا لأنّ مخالفة جميع الأوامر الشرعية سبب لاستحقاق الذم و العقاب على جميع الأقوال في الأمر فلا بدّ من إثبات العموم و هو ممنوع من وجهين (أحدهما) ما قيل من أن أمره مطلق و ليس بعام و أجاب عنه صاحب المعالم تارة بأنّ المصدر المضاف عند عدم العهد يدلّ على العموم بدليل صحّة الاستثناء كأن يقال في الآية إلاّ الأمر الفلاني و أخرى بأن الإطلاق كاف في المقام إذ لو كان الأمر لغير الوجوب لم يحسن الذّمّ و الوعيد على مخالفة مطلق الأمر و قد أورد على الوجهين سلطان المحققين