بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٠ - الكلام في أدلة مذهب الأعمي
أن يراد به الصّلاة الفاسدة و هي الأفعال الفاقدة لشرط الطّهر أو الأعم منها و من الصّحيحة أو يراد بها الأفعال الجامعة سائر الشرائط من غير ملاحظة كونها في حال الحيض لا في حال الطّهر و ثانيهما أن يراد بها الصّلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشّرائط حتى شرط الطّهر و هي الصّحيحة ثم يوجّه النّهي إليها معبّرا عنها بلفظ الصّلاة (و ثالثها) أن يراد بها الصّلاة الصّحيحة أيضا لكن مع إرجاع النهي إلى غير المسمّى أعني الأفعال المعهودة حتى تكون التّسمية و النّهي في مرتبة واحدة بأن كان المسمّى مفهوما ملفّقا من ملاحظة المنهيّ عنه حال كونه منهيّا عنه (و الأوّل) معقول و مثبت لاستعمال الصّلاة في الفاسدة أو الأعمّ (و الثاني) غير معقول من جهتين إحداهما أنه يرجع إلى تحصيل الحاصل و طلب ترك الممتنع و ثانيهما أنه دور واضح لأنّ اعتبار السّلامة عن النّهي في المنهي عنه اعتبار للشيء في الموضوع بعد الحكم فتأمل (و الثالث) ممّا لا غائلة فيه سوى التفكيك بين المراد من لفظ المنهي عنه و بين نفس المنهي عنه الواقعي و هو بعيد و مكذّب بالوجدان و لذا اقتصر المحقق القمّي (رحمه الله) في ردّه على التعلّق بالوجدان دون البرهان و يحتمل أن يكون قوله وضعا إشارة إلى الوجه الثاني فتدبّر و لعلّ في قوله طبعا إشارة إلى الاستحالة من الجهة الثانية قوله و المفروض إلى آخره أراد به بيان عدم اعتبار شرط الطّهر في المراد من لفظ الصّلاة باعتبار كونه غير معلوم للمخاطب قبل هذا النّهي فإنّ الفعل المنهي عنه لا يجوز أن يكون مجهولا للمخاطب فلا بدّ حينئذ من حمل الصّلاة على معنى احتمل علم المخاطب به قبل النّهي و ليس هو إلا نفس الأركان و الأفعال مطلقا أو مع الاقتران بالشرائط المعلومة سابقا و الجواب عن الاستدلال به على هذا الوجه ما مرّ من أن الاستعمال أعمّ من الحقيقة (و الثّاني) أنّ المنهي عنه في المثال المذكور و أمثاله ممّا تعلّق النهي فيه بالعبادة إنما هو المعنى الشّرعي دون المعنى اللّغوي ضرورة عدم حرمة الدّعاء مثلا للحائض فلا بدّ أن يكون المعنى الشرعي هو الأعمّ من الصّحيح و الفاسد لأنّ العبادة الصّحيحة ملزومة للطّلب فكيف تكون معروضة للنّهي و لو جاز ذلك لكان النهي دليلا على الصّحة كما زعمه أبو حنيفة (توضيح ذلك) أنّه لو قيل بأنّ الصّلاة موضوعة لتامة الأجزاء و الشرائط الّتي يوجب فعلها سقوط الأمر بها لزم القول بدلالة النهي عنها على صحّتها و إن كانت محرمة من حيث اقتضاء النّهي التحريم بيان الملازمة أنّ النّهي عن الشّيء يدلّ بالالتزام العقلي على كون المخاطب قادرا على فعل المنهي عنه و قضية ذلك أن لا يكون صدورها من غير المخاطب من شرائط وجوده مع أنّ هذا الرّأي سخيف عند أولي الآراء الصّحيحة حيث إنّ الكلّ أو الجلّ بين القول بدلالة النّهي على الفساد و بين القول بعدم دلالته عليه و لا على الصّحة و هذا لا يتصوّر إلاّ على تقدير كون المعنى الشرعي لأسامي العبادات هو المعنى الأعمّ و لذا تفصّى العضدي عن دلالة النّهي على الصّحة كما عليه أبو حنيفة باختياره قول الأعمي حيث رأى انحصار الجواب في ذلك (و الجواب عنه) أيضا ما مرّ من أنّ قرينة العقل قاضية بأنّ المراد بالصّلاة المنهي عنها مثلا هي نفس الأركان و الأفعال مطلقا أو مع الاقتران بسائر الشرائط غير الطّهر فعلى القول بمذهب الصّحيحي لا بدّ عن حملها على الفاسدة و هو أيضا معنى شرعي و إن كان مجازا فليس الاستدلال به إلا من جهة قيام القرينة على استعمال الصّلاة في غير الصّحيحة فيرجع إلى الوجه الأوّل و ربما يجاب عنه بعد المساعدة على كون المراد بالصّلاة المنهي عنها هي الصّحيحة تارة بحمل النّهي على مجرّد الإرشاد و يقال إنّ مفاد النّهي عن العبادة عدم إمكان حصولها من المخاطب فتكون صيغة النّهي أو مادّته مقصودا بها محض الإرشاد و إظهار الفساد و يؤيّده أنّ القول بحرمة ارتكاب العبادات الفاسدة ذاتا مشكل بل الظّاهر أنّ حرمتها تشريعيّة و هو لا يتمّ إلاّ على جعل النّهي عنها إرشاديّا و إلاّ لزم القول بحرمة الصّلاة الفاسدة كالفاقدة للطّهورين و نحوها ذاتا كشرب الخمر و هذا الوجه من سوانح بعض المحققين مع توضيح و زيادة و أخرى بما ذكره العضدي و غيره منهم المحقق المذكور و هو أنّ قضية النّهي إمكان صدور المنهيّ عنه من المخاطب قبل النّهي لأنّ ذلك يكفي في صحّة النّهي و يخرجه عن اللّغوية و عدم الإفادة و أمّا استمرار إمكانه إلى ما بعد النّهي أيضا فليس بلازم فقد ينقلب الإمكان إلى الامتناع بسبب النّهي و قد يكون الانقلاب
المذكور هو الغرض الدّاعي إليه إذ لا يجب أن يكون فائدة النهي ترك المنهي عنه اختيارا فلو تسبب به إلى تركه اضطرارا بعد ما كان مقدورا كفي ذلك في الغرض المسوغ له و كفي أيضا في اقتضائه الفساد إذ لا نعني به إلا كون المنهي عنه غير منطبق على المأمور به و هو مع طرو الامتناع يكون أظهر هذا توضيح الحال في الجواب المذكور ثمّ إنّ المحقق المذكور استشعر اعتراضا فقال (فإن قلت) إنّ استحالة صدور ذلك من المكلّف عن الأمور الواقعية بالنظر إلى ملاحظة الشيء في نفسه و ليست حاصلة بالنّهي فما تعلّق النّهي به مستحيل قبل تعلّقه به فأجاب عنه بأنّ ثبوت الأحكام الشرعية إنّما يتبع الأدلّة المنصوبة عليها من الشّارع فلو لا تعلّق النّهي بها كانت محكومة بصحّتها في الشريعة نظرا إلى إطلاق الأوامر بعد ثبوت الماهية بظاهر الأدلّة (قلت) و هذان الجوابان ممّا لا كرامة فيهما في المقام (أمّا الأوّل) فلأنّ النّهي الإرشادي أيضا يستدعي محلاّ قابلا كالنّهي الشرعي إذ الإرشاد إنشاء من المرشد متعلّق بترك المنهيّ عنه و لذا يقبح أن يقال للأعمى لا تبصر و لو على وجه الإرشاد و إن أريد بالإرشاد النّهي الغيري فمع منافاته لظاهر التنظير بالنواهي الواردة في أجزاء العبادات و شرائطها و موانعها ممّا لا وجه له أيضا في المقام لأنّ نهي الحائض عن الصّلاة مثلا ليس نهيا مقدميا للتوصّل إلى الغير و ما أكثر اشتباه الحال عليه (رحمه الله) و اختلاط المقامات نعم لو حمل النّهي على صرف