أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه - محمد بن إسحاق الفاكهي - الصفحة ٣١٨ - ذكر المزدلفة وحدودها وذكر فضلها وما جاء فيها
قال ابن جريج : وأخبرني عطاء ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه كان يقول : ارفعوا عن محسّر ، وارفعوا عن عرفات.
قال : قلت له : رفع ما ذا؟ قال : أما قوله : ارفعوا عن محسّر ، ففي المنزل بجمع ، أي لا تنزلوا محسّرا لا تبلغوه.
قال : قلت : فأين محسّر؟ أين يبلغ من جمع؟ وأين يبلغ الناس منازلهم من محسّر؟ قال : لم أر الناس يخلّفون بمنازلهم القرن الذي يلي حائط محسّر الذي هو أقرب قرن في الأرض من محسّر عن يمين الذاهب من مكة ، عن يمين الطريق [١]. قال : ومحسّر إلى ذلك القرن ، يبلغه محسّر ، وينقطع إليه. قال : فأحسب أنها كدية محسّر ، حتى ذلك القرن. قال : فلا أحبّ أن ينزل أحد أسفل من ذلك القرن تلك الليلة.
ويقال : إنّها سمّيت المزدلفة ، لازدلاف الناس عليها ، وأنّهم لا يقيمون بها يوما واحدا ، ولا ليلة تامة [٢].
وقال بعض الشعراء في المزدلفة يذكرها :
| / أقبل شيخان من المزدلفه | كلاهما لحيته مختلفه |
وقال أبو طالب بن عبد المطلب في جمع [٣] :
| وليلة جمع والمنازل من منى ، | وما فوقها من حرمة ومنازل | |
| وجمع إذا ما المقربات أجزنه | سراعا كما يخرجن من وقع وابل |
[١] هذا القرن يكون على يمين المقبل من منى يريد المزدلفة قبل وصوله إلى نهاية دقم الوبر بقليل ، وكان هذا القرن يقابل وادي محسر من الجنوب ، بل يضرب فيه سيله تماما ، وقد أزيل هذا القرن بسبب التوسعات المستمرة في تلك المنطقة وغيرها ، وهذا القرن كان حدّا من حدود مزدلفة لأنه يقابل محسرا تماما.
[٢] أنظر فتح الباري ٣ / ٥٢٣.
[٣] البيتان في سيرة ابن هشام ١ / ٢٩٣ ضمن قصيدة أبي طالب اللامية.