البدعة - الباقري، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٧ - ٢- النداء الثاني يوم الجمعة
خامساً: لو سلَّمنا جدلًا انَّ هناكَ كثرةً في المدينة قد دعت إلى نداءٍ ثانٍ لصلاة الجمعة، فما بال بقية المناطق والبلدان الاسلامية الاخرى التي اتخذت هذا الأمرَ سنّةً، وتعاملت معه من باب الالزام؟!
وكيف نبرر مشروعية هذا النداء (الذي هو مختلق من الأصل) لمنطقةٍ صغيرة لاتضم الّا مجموعة قليلة من الناس يمكن أن يتحقق بها النصاب الكامل لأداء هذه الصلاة؟!
انظر- أيها القارئ الكريم- إلى ما يقوله (ابن حجر) حرفياً في (فتح الباري): «والذي يظهرُ أنَّ الناس أخذوا بفعلِ عثمان في جميع البلادِ إذ ذاكَ لكونِهِ خليفةً مطاع الأمر»[١].
وعلى أية حال، فإنَّه سواء أصحَّ وجود كثرة في نفوس المسلمين آنذاك أم لم يصح، فانَّ القول بأنَّ النداء الثاني (بدعة) لا محيصَ عنه، لأنَّه ادخل في الدين من خارج حدوده وتعاليمه المشروعة، ولو أنَّ بطون الكتب والأسفار مُلئت بالتبريرات لهذا الأمر لما كان هناك أدنى شفاعة لقبول جواز تشريعه بشكل مطلق.
إنَّ الامور العبادية في الشريعة المقدسة- بما فيها الأذان- امور توقيفية لا يصح الأخذُ بها إلّامن قبل الشارع المقدَّس، ولا تصح الزيادة أو النقيصة فيها بأي حال من الأحوال، وذلك لأنَّها شُرِّعت بنحوٍ يسدُّ حاجةَ الانسان مهما تقدَّمَ به الزمن، وتغيرَّت ظروف الحياة من حوله، وهذا هو أحد أسرار أعجاز الشريعة الاسلامية ودوامها، كما تقدمت الإشارةُ إليه في صدر هذه الدراسة.
فمثلًا وردَ في الشريعة وجوب قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين، وعُيّنت المسافة التي يتم في حدودها قصر الصلاة، وكانَ ملحوظاً لدى الشريعة
[١] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: ٢، ص: ٣٩٤، وراجع: نيل الاوطار للشوكاني، ج: ٣، ص: ٢٦٣.