تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٣
تشرع الآية في الكلام على علم الله فتقول: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهاهو).
«مفاتح» جمع «مفتح» (بكسر الميم وفتح التاء) وهو المفتاح، أمّا إِذا كانت بفتح الميم فهي بمعنى الخزانة التي تختزن فيها الأشياء.
وعلى الأوّل يكون المعنى: إنّ جميع مفاتيح الغيب بيد الله.
وعلى الثّاني يكون المعنى: إنّ جميع خزائن الغيب بيد الله.
ويحتمل أن يكون المعنيان قد اجتمعا في عبارة واحدة، وكما هو ثابت في علم الأُصول، فإِن استعمال لفظة واحدة لعدة معان لا مانع منه، وعلى كل حال فهاتان الكلمتان متلازمتان، لأنّه حيثما كانت الخزانة كان المفتاح.
وأغلب الظن أنّ «مفاتح» بمعنى «مفاتيح» لا بمعنى «خزائن» لأنّ الهدف هو بيان علم الله، فتكون المفاتيح وسائل لمعرفة مختلف الذخائر وهو أنسب بالآية، وفي موضعين آخرين في القرآن ترد كلمة «مفاتح» بمعنى المفاتيح[١] .
ثمّ لتوكيد ذلك أكثر يقول: (ويعلم ما في البرّ والبحر).
«البرّ» كل مكان واسع فسيح، وتطلق على اليابسة، «والبحر» كذلك تعني المحل الواسع الذي يتجمع فيه الماء، وتطلق على البحار والمحيطات وعلى الأنهر العظيمة أحياناً.
فالقول بأنّ الله يعلم ما في البر والبحر، كناية عن إِحاطته بكل شيء، وهذه الإِحاطة بما في البرّ والبحر إِنّما تمثل في الحقيقة جانباً من علمه الأوسع.
فهو عالم بحركة آلاف الملايين من الكائنات الحية، الكبيرة والصغيرة، في أعماق البحار.
وهو عالم بارتعاش أوراق الأشجار في كل غابة وجبل.
وهو عالم بمسيرة كل برعمة وتفتح أوراقها.
[١] ـ (ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أُولي القوة) (القصص، ٧٦) و(أو ما ملكتم مفاتحه) (النّور، ٦١).