تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠
الحديثة، أنّه تعبير ينسجم مع أدق النظريات العلمية الحديثة عن تكون العالم، لقد أظهرت دراسات العلماء أنّ العالم الكبير (الكون) والعالم الصغير (المنظومة الشمسية) كانت كلها كتلة واحدة تشققت على أثر الإِنفجارات المتتالية، وتكونت المجرات والمنظومات والكرات، وفي الآية (٣٠) من سورة الأنبياء بيان أوضح لهذا الأمر: (أو لم ير الذين كفروا أنّ السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما).
والنقطة الأُخرى التي ينبغي ألا نغفل عنها في هذه الآية هو أنّها تقتصر على توكيد إتصاف الله باطعام مخلوقاته ورزقهم، ولعل ذلك إِشارة إِلى أنّ أقوى حاجات الإِنسان في حياته المادية هي حاجته إِلى «لقمة العيش» كما يقال، وهذه اللقمة هي التي تحمل الناس على الخضوع لأصحاب المال والقوّة، وقد يصل خضوعهم لأُولئك حدّ العبودية، ففي هذا يقرر القرآن رزق الناس بيد الله لا بيد هؤلاء ولا بيد الأصنام، فأصحاب المال والقوّة هم أنفسهم محتاجون إِلى الطعام، وأنّ الله هو وحده الذي يطعم الناس ولا يحتاج إِلى طعام.
وفي آيات أُخرى نرى القرآن يؤكّد مالكية الله ورازقيته بإنزال الأمطار وإِنبات النباتات، وذلك لكي يزيل من أذهان البشر كلياً فكرة اعتمادهم على مخلوقات مثلهم.
ثمّ للردّ على أُولئك المشركين الذين كانوا يدعون رسول الله إِلى الإِنضمام إِليهم، يؤكّد القرآن على ضرورة رفض دعوة هؤلاء إِنطلاقاً من مبدأ نهي الوحي الإِلهي عن ذلك، إِضافة إِلى نهي العقل: (قل إِنّي أُمرت أن أكون أوّل من أسلم ولا تكونن من المشركين)[١] .
لا شك أنّ أنبياء الله والصالحين من أقوامهم سبقوا النّبي الخاتم في
[١] ـ جملة (إنّي أُمرت ...) من قبيل الخطاب غير المباشر، وجملة «ولا تكونن» خطاب مباشر، ولعل هذا الإِنتقال يقصد به القول بأنّ الإِبتعاد عن الشرك واستنكاره أهم بكثير من أن يكون المرء أول المسلمين، ولذا جاء موضوع تجنب الشرك في خطاب مباشر ومؤكد بنون التوكيد الثقيلة.