تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠
(ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا)[١] .
يتّضح ممّا قلنا أنّ جملة (لجعلناه رجلا) لا تعني: أنّنا سنجعله على هيئة انسان، كما تصور بعض المفسّرين، بل تعني: أنّنا نجعله على هئية البشر في الصفات الظاهرية والباطنية، ثمّ يستنتج من ذلك أنّهم ـ في هذه الحالة أيضاً ـ كانوا سيعترضون الإِعتراض نفسه، وهو: لماذا أوكل الله مهمّة القيادة إِلى بشر وأخفى عنّا وجه الحقيقة: (وللبسنا عليهم ما يلبسون).
«اللبس» بمعنى خلط الأمر وجعله مشتبهاً بغيره خافياً، و«اللبس» بمعنى ارتداء اللباس، ومن الواضح أنّ الآية تقصد المعنى الأوّل، أي أنّنا لو أردنا أن نرسل ملكاً لوجب أن يكون في صورة الإِنسان وسلوكه، وفي هذه الحالة سيعتقدون أنّنا خلطنا الأمر على الناس وأوقعناهم في الإِشتباه، ولكانوا يشكلون علينا الإِشكالات السابقة، بمثل ما يوقعون الجهلة من الناس في الخطأ والإِشتباه ويلبسون وجه الحقيقة عنهم، وعليه فإنّ نسبة «اللبس» والإِخفاء إِلى الله إِنّما هي من وجهة نظرهم الخاصة.
وفي الختام يهون الأمر على رسوله ويقولون له: (ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون).
هذه الآية في الواقع تسلية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب الله فيها منه أن لا تزعزعه الزعازع، ويهدد في الوقت نفسه المخالفين والمعاندين ويطلب منهم أن يتفكروا في عاقبة أمرهم المؤلمة[٢] .
* * *
[١] ـ الضمير «جعلناه» يمكن أن يعود على الرّسول، أو على من يرسل معه لإِعانته على تثبيت النبوة وعلى الإِحتمال الثّاني يكون إقتراحهم قد تحقق، وعلى الأوّل قد تحقق أكثر ممّا طلبوه.
[٢] ـ «حاق» بمعنى أحاط به وحل به، و«ما كانوا به يستهزئون» أي ما كانوا يستهزئون به من تهديد وإنذار يسمعونه من أنبياء الله مثل إنذار نوح وقومه بوقوع الطوفان، فكان قومه من عبدة الأصنام يسخرون من ذلك. وعليه فلا ضرورة لتقدير كلمة «جزاء» كما يقول بعضهم، إذ يكون المعنى: العقوبات التي كانوا يستهزئون بها حلت بهم.