تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤
بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين)[١] .
الآية التّالية تؤكّد أن ذلك ليس أكثر من تمن كاذب، وإِنّما تمنوه لأنّهم رأوا في ذلك العالم كل ما كانوا يخفونه ـ من عقائد ونيات وأعمال سيئة ـ مكشوفاً أمامهم، فاستيقظوا يقظة مؤقتة عابرة: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل).
غير أن هذه اليقظة ليست قائمة ثابتة، بل إِنّها قد حصلت لظروف طارئة، ولذلك فحتى لو افترضنا المستحيل وعادوا إِلى هذه الدنيا مرّة أُخرى لفعلوا ما كانوا يفعلونه من قبل وما نهوا عنه: (ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه) لذلك فهم ليسوا صادقين في تمنياتهم ومزاعمهم (وإنّهم لكاذبون).
ملاحظات:
١ ـ يتبيّن من ظاهر (بدا لهم) أنّهم لم يكونوا يخفون كثيراً من الحقائق عن الناس فحسب، بل كانوا يخفونها حتى عن أنفسهم، فتبدوا لهم جلية يوم القيامة، وليس في هذا ما يدعو إِلى العجب، فالإِنسان كثيراً ما يخفي عنه نفسه الحقائق ويغطي على ضميره وفطرته لكي ينال شيئاً من الراحة الكاذبة.
إِنّ قضية مخادعة النفس وإِخفاء الحقائق عنها من القضايا التي تعالجها البحوث الخاصّة بنشاط الضمير، فقد نجد الكثيرين من الذين يتبعون أهواءهم يتنبهون إِلى أضرار ذلك عليهم، ولكنّهم لكي يواصلوا أعمالهم تلك بغير أن تنغصها عليهم ضمائرهم ـ يحاولون إِخفاء هذا الوعي فيهم بشكل من الأشكال.
غير أنّ بعض المفسّرين ـ دون الإِلتفات إِلى هذه النكتة ـ فهموا من (لهم) ما
[١] ـ ينبغي الإِنتباه إِلى نقطة مهمّة في الآية: في القراءة المشهورة التي بين أيدينا «نردّ» مرفوعة و«ولانكذب» و«نكون» منصوبتان، مع أنّ الظاهر يدل على أنّهما معطوفتان على «نردّ» وخير تعليل لذلك هو القول بأنّ «نردّ» جزء من التمني، و«ولا نكذب» جواب التمني، و«الواو» هنا بمنزلة «الفاء» ومعلوم أن جواب التمني إذا وقع بعد الفاء كان منصوباً، إن مفسرين كالفخر الرازي والمرحوم الطبرسي وأبي الفتوح الرازي أوردوا تعليلات أُخرى، ولكن الذي قلناه أوضح الوجوه، وعليه فهذه الآية تكون شبيهة بالآية (٥٨) من سورة الزمر: (لو أنّ لي كرةً فأكون من المحسنين).