تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٦
جاء فيما روي عن أهل البيت(عليهم السلام) أنّ «الورقة» الساقطة بمعنى الجنين الساقط، و«الحبّة» بمعنى الابن، و«ظلمات الأرض» بمعنى رحم الأُم، و«رطب»ما بقي حياً من النطفة، و«يابس» ما تلاشى من النطفة[١] .
لا شك أنّ هذا التّفسير لا ينسجم مع الجمود على المعاني اللغوية للآية، إِذ إِنّ معنى «الورقة» و«الحبّة» و«ظلمات الأض» و«الرّطب» و«اليابس» معروف، ولكنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بهذا التّفسير أرادوا أن يوسعوا من آفاق نظرة المسلمين إِلى القرآن، وأن لا ينحصروا في إِطار الألفاظ، بل يتوسعوا في نظرتهم حين توجد قرائن على هذا التوسع.
الرّواية أعلاه تشير إِلى أنّ معنى «الحبّة» لا ينحصر في بذور النباتات، بل يشمل أيضاً بذور النطف الإِنسانية.
في الآية الثانية ينتقل الكلام إِلى إِحاطة علم الله بأعمال الإِنسان وهو الهدف الأصلي وإِلى بيان قدرة الله القاهرة، لكي يستنتج الناس من هذا البحث الدروس التربوية اللازمة فتبدأ بالقول بأنّ الله هو الذي يقبض أرواحكم في الليل، ويعلم ما تعملون في النهار: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار).
«توفى» تعني استرجع، فالقول بأنّ النوم هو استرجاع للروح يعود إِلى أنّ النوم أخو الموت، كما هو معروف، فالموت تعطيل كامل لجهاز الدماغ، وانقطاع تام في إِرتباط الروح بالجسد، بينما النوم تعطيل قسم من جهاز الدماغ وضعف في هذا الإِرتباط، وعليه فالنوم مرحلة صغيرة من مراحل الموت[٢] .
«جرحتم» من «جرح» وهي هنا بمعنى الإِكتساب، أي أنّكم تعيشون تحت ظل قدرة الله وعلمه ليلا ونهاراً، وانّ الذي يعلم بإِنفلاق الحبّة ونموها في باطن الأرض، ويعلم بسقوط أوراق الأشجار وموتها في أي مكان وزمان، يعلم
[١] ـ تفسير البرهان، ج ١، ص ٥٢٨.
[٢] ـ هناك شرح أوفى لهذا في المجلد الثاني.