تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠١
إِتّبعك إِلاّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي)[١] واعتبروا ذلك دليلا على بطلان رسالته.
إِنّ واحداً من دلائل عظمة الإِسلام والقرآن، وعظمة مدرسة الأنبياء عموماً، هو أنّها وقفت ثابتة لا تتزحزح في وجه أمثال هذه الطلبات، وراحت تحطم هذه الإِمتيازات الموهومة في كل المجتمعات التي تعتبر التمايز الطبقي مسألة ثابتة، لتعلن أنّ الفقر ليس نقصاً في أشخاص مثل سلمان وأبي ذر والخباب وبلال، كما أنّ الثروة ليست إِمتيازاً إِجتماعياً أو معنوياً لهؤلاء الأثرياء الفارغين المتحجرين المتكبرين.
ثمّ تقول الآية: إنّه ليس ثمّة ما يدعو إِلى إِبعاد هؤلاء المؤمنين عنك، لأنّ حسابهم ليس عليك، ولا حسابك عليهم: (ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء)، ولكنّك مع ذلك إِذا فعلت تكون ظالماً: (فتطردهم فتكون من الظّالمين).
يختلف المفسّرون في توضيح المقصود من «الحساب» هنا.
منهم من يقول: إِنّ المقصود هو حساب رزقهم، أي أنّهم وإِن كانوا فقراء فإِنّهم لا يثقلون عليك بشيء، لأن حساب رزقهم على الله، كما أنّك أنت أيضاً لا تحملهم ثقل معيشتك، إِذ ليس من حساب رزقك عليهم من شيء.
غير أنّ هذا الإِحتمال يبدو بعيداً، لأن الظاهر أن القصد من الحساب هو حساب الأعمال، كما يقول كثير من المفسّرين، أمّا لماذا يقول الله أن حساب أعمالهم ليس عليك، مع أنّهم لم يبدر منهم أي عمل سيء يستوجب هذا القول؟ فالجواب: إِنّ المشركين كانوا يتهمون أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الفقراء بالإِبتعاد عن الله بسبب فقرهم، زاعمين أنّهم لو كانت أعمالهم مقبولة عند الله لزمه الترفية والتوسعة عليهم في معيشتهم، بل كانوا يتهمونهم بأنّهم لم يؤمنوا إِلاّ لضمان
[١] ـ هود، ٢٧.