تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٢
٢ ـ ويرى البعض أنّ البيعة شبيهة بالإنتخابات أو نوعاً منها، في حين أنّ الإنتخابات على العكس منها تماماً، أي أنّ ماهيتها نوع من إيجاد المسؤولية الوظيفة والمقام للمنتخب، أو بتعبير آخر هي نوع من التوكيل في عمل ما بالرغم من أنّ الإنتخاب يقتضي وظائف على المنتخِب أيضاً «كسائر الوكالات» في حين أنّ البيعة ليست كذلك!
وبتعبير آخر إنّ الإنتخابات تعني إعطاء «المقام» وكما قلنا هي شبيهة بالتوكيل في حين أنّ البيعة تعهد بالطاعة!
ومن الممكن أن يتشابه كلٌّ من البيعة والإنتخاب في بعض الآثار، لكن هذا التشابه لا يعني وحدة المفهوم والماهية أبداً..
ولذلك لا يمكن للمبايع أن يفسخ البيعة، في حين أنّ المنتخبين لهم الحق في الفسخ في كثير من المواطن بحيث يستطيع جماعةٌ ما أن يعزلوا المنتخب «فلاحظوا بدقة»!
٣ ـ وبالنسبة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين المنصوبين من قبل الله تعالى لا حاجة لهم بالبيعة، أي أنّ طاعة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام المعصوم والمنصوب من قبل الله واجبة سواءً على من بايع أو لم يبايع!
وبتعبير آخر: إنّ لازم مقام النبوّة والإمامة وجوب الطاعة كما يقول القرآن الكريم: (
أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم
)(١).لكن ينقدح هنا هذا السؤال وهو إذا كان الأمر كذلك فعلامَ أخذ النّبي من أصحابه ـ البيعة كراراً ـ أو المسلمين الجدد، وقد ورد في القرآن الإشارة إلى حالتين منها بصراحة إحداهما «بيعة الرضوان» ـ محل البحث ـ والأُخرى «البيعة مع أهل مكّة» المشار إليها في سورة الممتحنة!.
وفي الإجابة على هذا السؤال نقول: لا شك أنّ هذه المبايعات كانت نوعاً من التأكيد على الوفاء، وقد أُديّت في ظروف خاصة ولا سيما في مواجهة الأزمات والحوادث الصعبة لتنبض في ظلّها روح جديدة في الأفراد كما وجدنا تأثيرها المذهل في بيعة الرضوان في البحث السابق!..
إلاّ أنّه فيما يتعلّق بمبايعة الخلفاء فقد كانت البيعة على أساس أنّها قبول لمقام الخلافة وإن كنّا لا نعتقد بخلافة من يخلف النّبي والتي تؤخذ البيعة لها عن طريق الناس، بل هي من قبل الله وتتحقّق بالنص من قِبل النّبي أو الإمام السابق على اللاحق!
ومن هذا المنطلق فإنّ البيعة التي بايعها المسلمين لعلي (عليه السلام) أو للحسن أو الحسين(عليهما السلام) فيها (جنبة) تأكيد على الوفاء وهي شبيهة ببيعة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
٤ ـ هل البيعة في العصر الحاضر مقبولة على أنّها أصل إسلامي، أو بتعبير آخر: هل يمكن تعميم البيعة، وهل للجماعة الفلانية أن تختار شخصاً لائقاً وواجداً للشرائط الشرعية كأن يكون آمراً للقوات المسلّحة أو رئيساً للجمعية أو رئيساً للحكومة فتبايعه؟ فهل أنّ مثل هذه البيعة مشمول بأحكام الشارع للبيعة؟!
وحيث أنّه لا يوجد عموم ولا إطلاق في القرآن والسنّة في خصوص البيعة فمن المشكل تعميم هذه المسألة وإن كان الاستدلال بعموم الآية (
أوفوا بالعقود
) غير بعيد!ولكن مع هذا الإبهام في المسائل المرتبطة بالبيعة فإنّ هناك مانعاً من أن نعوّل بصورة قطعية على (
أوفوا بالعقود
) وخاصةً أنّنا لا نجد في الفقه أي مورد للبيعة لغير النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام المعصوم.وينبغي الإلتفات إلى هذه «اللطيفة» وهي أن مقام نيابة الوليّ الفقيه في نظرنا مقام منصوص عليه من قبل الأئمة المعصومين(عليهم السلام) ولا حاجة له بالبيعة وبالطبع فإنّ اتباع الناس للولي الفقيه وطاعتهم له يمنحه الإمكان من الاستفادة من هذا المقام ويعطيه ـ كما هو مصطلح عليه ـ بسط اليد، لكنّ هذا لا يعني أنّ مقامه مشروط بتبعيّة الناس له، ثمّ إنّ اتباع الناس إيّاه لا علاقة له بالبيعة، بل هو عمل بحكم الله في شأن ولاية الفقيه «فلاحظوا بدقّة».
٥ ـ وعلى كلّ حال فإنّ البيعة مرتبطة بالمسائل الإجرائية ولا علاقة لها بالأحكام، أي إنّ البيعة لا تمنح أحداً حق «التشريع والتقنين» أبداً.. بل يجب أن تؤخذ القوانين من الكتاب والسنّة ثمّ تنفذ في حيّز الواقع، ولا كلام لأحد في هذا.
٦ ـ يستفاد من الرّوايات أنّ البيعة مع الإمام المعصوم ينبغي أن تكون خالصةً لله، وبتعبير آخر هي من الأُمور التي يلزم فيها قصد القربة.
فقد ورد عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم، رجل بايع إماماً لا يبايعه إلاّ للدنيا، إن أعطاه ما يريده وفى له وإلاّ كفّ ورجلاً بايع رجلاً بسلعته بعد العصر فحلف بالله عزَّ وجلَّ لقد أُعطى بها كذا وكذا فصدّقه وأخذها ولم يُعط فيها ما قال ورجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل»(٢). «والتعبير بالعصر لعلّه لشرف هذا الوقت أو لأنّ كثيراً من الباعة يبيعون أجناسهم بالقيمة التي اشتروها في هذا الوقت».
٧ ـ «نكث البيعة» من الذنوب الكبيرة، ونقرأ حديثاً عن الإمام موسى بن جعفر أنّه قال: «ثلاث موبقات، نكث الصفقة، وترك السنّة، وفراق الجماعة»(٣).
ويظهر أنّ المراد من «ترك السنّة» هي ترك القوانين التي جاء بها النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وفراق الجماعة معناها الإعراض عنها لا محض عدم المشاركة في الجماعة.
٨ ـ البيعة في كلام الإمام علي (عليه السلام)
هناك في نهج البلاغة كلمات تؤكّد على البيعة وقد عوّل الإمام علي (عليه السلام) عليها مراراً وأنّ الناس بايعوه.
ومن جملتها أنّه قال في بعض خطبه: «أيّها الناس إنّ لي عليكم حقّاً ولكم عليَّ حق فأمّا حقكم عليَّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا» ثمّ يضيف (عليه السلام): «وأمّا حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة بالمشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين أمركم»(٤).
ويقول (عليه السلام) ـ في مكان آخر: «لم تكن بيعتكم إيّاي فلتةً»(٥).
وفي خطبته التي خطبها قبل حرب الجمل والتحرّك من المدينة نحو البصرة أشار الى بيعة الناس إيّاه وأن يثبتوا على ما بايعوه فقال (عليه السلام): «وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيّرين»(٦).
ونقرأ أخيراً في بعض كتبه لمعاوية حين لم يبايع الإمام عليّاً وكان يريد الانتقاد من علي (عليه السلام) قوله: «بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد»(٧).
ويستفاد من بعض عبارات النهج أنّ البيعة ليست أكثر من مرة واحدة ولا سبيل لتجديد النظر فيها وليس فيها اختيار الفسخ، ومن يخرج منها فهو طاعن، ومن يتريث ويفكر في قبولها أو ردّها فهو منافق.
[إنّها بيعة واحدة لا يثنَّى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار; الخارج منها طاعن والمروّي فيها مداهن](٨).
ويستفاد من مجموع هذه التعابير أنّ الإمام(عليه السلام) استدلّ على من لم يقبلوا بأنّ إمامته منصوص عليها من قِبل النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وكانوا يتذرّعون بحجج واهية ـ بالبيعة التي كانت عندهم من المسلم بها، ولم تكن لهم الجرأة على أن يرفضوا طاعة الإمام ويسمعوا لمعاوية وأمثال معاوية، فكما أنّهم يرون مشروعية الخلافة للخلفاء الثلاثة السابقين، فعليهم أن يعتقدوا بأنّ خلافة الإمام مشروعة أيضاً وأن يذعنوا له «بل إنّ خلافته أكثر شرعيةً لأنّ بيعته كانت أوسع وكانت حسب رغبة الناس ورضاهم».
فبناءً على هذا لا منافاة بين الاستدلال بالبيعة ومسألة نصب الإمام بواسطة الله والنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأكيد البيعة.
لذلك فإنّ الإمام يشير في مكان من (نهج البلاغة) نفسه بحديث الثقلين الذي هو من نصوص الإمامة(٩) كما يشير في مكان آخر إلى مسألة الوصية والوراثة(١٠). [فلاحظوا بدقّة].
كما يشير (عليه السلام) في بعض عباراته الأُخرى إلى لزوم الوفاء بالبيعة وعدم إمكان الفسخ والنكث وتجديد النظر وعدم الحاجة إلى التكرار وهذه هي مسائل مقبولة بالنسبة للبيعة أيضاً.
ويستفاد من هذه التعابير ضمناً بصورة جيّدة أنّ البيعة إذا كانت فيها «جنبة» إكراه أو إجبار أو أخذت على حين غرّة من الناس فلا عبرة بها ولا قيمة لها بل البيعة الحق التي تكون في حال الاختيار والحرية والإرادة والتفكّر والتدبّر.
* * *
[١]ـ النساء، الآية ٥٩.
[٢]ـ الخصال: باب الثلاثة ـ الحديث ٧٠.
[٣]ـ بحار الأنوار، ج٦٧، ص١٨٥.
[٤]ـ نهج البلاغة الخطبة ٣٤.
[٥]ـ نهج البلاغة الخطبة ١٣٦.
[٦]ـ نهج البلاغة من كتاب له (عليه السلام) رقم ١.
[٧]ـ من كتاب له رقم ٦، وينبغي الإلتفات إلى أنّ التعويل على بيعة الخلفاء السابقة هو لأنّ معاوية كان منصوباً من قِبلهم وكان يدافع عنهم فلا منافاة بين هذا وما جاء في الخطبة المعروفة بالشقشقية.
[٨]ـ نهج البلاغة: من كتاب له برقم ٧.
[٩]ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم ٨٧.
[١٠]ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم ٢.