تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨
الأوثان ولا يتّبعون إبراهيم(عليه السلام).
ثانياً: إنّ عبدة الأصنام استندوا إلى هذا الإِستدلال الواهي ـ وهو اتباع الآباء ـ فلم يقبله إبراهيم منهم أبداً، كما يقول القرآن الكريم في سورة الأنبياء ـ٥٣، ٥٤: (
قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين
).ثالثاً: إنّ هذه الآية نوع من التطييب لخاطر الرّسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين الأوائل ليعلموا أنّ مثل هذه المخالفات والتوسّلات بالمعاذير والحجج الواهية كانت موجودة دائماً، فلا ينبغي أن يضعفوا أو ييأسوا.
تقول الآية الأولى: (
وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء ممّا تعبدون
)(١)، ولما كان كثير من عبدة الأصنام يعبدون الله أيضاً ، فقد استثناه إبراهيم مباشرة فقال: (إلاّالذي فطرني فإنّه سيهدين
).إنّه(عليه السلام) يذكر في هذه العبارة الوجيزة دليلاً على انحصار العبوديّة بالله تعالى، لأنّ المعبود هو الخالق والمدبر، وكان الجميع مقتنعين بأنّ الخالق هو الله سبحانه، وكذلك أشار(عليه السلام) في هذه العبارة إلى مسألة هداية الله التكوينيّة والتشريعيّة التي يوجبها قانون اللطف[٢] \.
وقد ورد هذا المعنى في سورة الشعراء، الآيات ٧٧ ـ ٨٢ أيضاً.
ولم يكن إبراهيم(عليه السلام) من أنصار أصل التوحيد، ومحاربة كل اشكال الشرك طوال حياته وحسب، بل إنّه بذل قصارى جهده من أجل ابقاء كلمة التوحيد في هذا العالم إلى الأبد، كما تبيّن ذلك الآية التالية إذ تقول: (
وجعلها كلمة باقية في
[١]ـ «براء» مصدر، وهي تعني التبرؤ، ولها في مثل هذه الموارد معنى الوصف بشكل مؤكّد والمبالغة، كـ (زيد عدل) ولما كانت مصدراً فقد تساوى فيها المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث.
[٢]ـ طبقاً لهذا التّفسير، فإن الإستثناء في جملة «إلاّالذي فطرنيّ» متصل، لأنّ كثيراً من عبدة الأوثان لم يكونوا منكرين للّه، بل كانوا يشركون معه غيره، إلاّ أنّه إحتمل أيضاً أن يكون الإِستثناء منقطعاً، و(إلاّ) بمعنى (لكن) لأنّ التعبير بـ(ماتعبدون) يشير إلى الأصنام، فإنّ هذا التعبير غير متعارف في شأن الله تعالى. (تأمّل).