تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٠
بحث البيعة وخصوصيّاتها!
«البيعة» من مادة «بيع» وهي في الأصل إعطاء اليد عند إقرار المعاملة. ثمّ أطلق هذا التعبير على مدّ اليد على المعاهدة، وهكذا كانت حين كان الشخص يريد أن يعلم الآخر بوفائه له وأن يطيع أمره ويعرفه رسميّاً فيبايعه ويمدّ له يده، ولعلّ إطلاق هذه الكلمة من جهة أنّ كلاًّ من الطرفين يتعهّد كما يتعهّد ذوا المعاملة فيما بينهما، وكان المبايع مستعداً أحياناً أن يضحّي بروحه أو بماله أو بولده في سبيل الطاعة! والذي يقبل البيعة يتعهّد على رعايته وحمايته والدفاع عنه!..
يقول «ابن خلدون» في مقدمة تأريخه في هذا الصدد «كانوا إذا بايع الأمير جعل أيديهم في يده تأكيداً فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري»[١] \.
وتدل القرائن على أنّ البيعة ليست من إبداعات المسلمين، بل هي سنّة متّبعة بين العرب قبل الإسلام، ولهذا السبب فإنّ طائفة من «الأوس والخزرج» جاءوا في بداية الإسلام خلال موسم الحج من المدينة لى مكّة وبايعوا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في العقبة، وكان تعاملهم في قضية البيعة يوحي بأنّها أمر معروف، وبعدها وخلال فرص ومناسبات متعدّدة جدّد النّبي البيعة مع المسلمين، وكانت إحداها هذه البيعة التي عرفت ببيعة الرضوان في الحديبيّة، وأوسع منها البيعة التي كانت عند فتح مكّة، وسيأتي بيانها وشرحها في تفسير «سورة الممتحنة» بإذن الله!
ولكن كيف تتم البيعة؟!.. بصورة عامّة تتمّ البيعة كما يلي:
يمدّ المبايع يده إلى يد المبايَع ويبدي الطاعة والوفاء بلسان الحال أو المقال!.. وربّما ذكر شروطاً أو حدوداً لبيعته كأن يعقد البيعة على بذل ماله! أو بذل روحه أو بذل جميع الأشياء حتى الولد والمرأة!
وقد تقع البيعة أحياناً على أن لا يفرّ المبايعُ أبداً أو أن يبقى على عهده وبيعته حتى الموت «وكان هذان المعنيان جميعاً في بيعة الرضوان كما صرَّحت بذلك التواريخ».
وكان النّبي الكريم يقبلُ بيعة النساء أيضاً لكن لا على أن يمددن أيديهنّ إلى يده الكريمة بل كان يأمر بإناء كبير فيه ماء فيدخل يده في طرف منه وتدخل يدها في طرف آخر.
وكان يشترط في البيعة أحياناً على عمل معيّن أو ترك عمل معيّن كما اشترط النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على النساء المبايعات له بعد مكّة على ألاّ (
يُشركنَ بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن...
)[٢] \.وعلى كلّ حال فإنّ في أحكام البيعة بحوثاً مختلفة نشير إليها هنا على نحو الإيجاز والإختصار وإن كانت مسائل هذا البحث محاطة بهالة من الإبهام في الفقه الإسلامي:
١ ـ «ماهية البيعة» نوع من العقد والمعاهدة بين المبايع من جهة والمبايَع من جهة أخرى، ومحتواها الطاعة والإتّباع والدفاع عن المبايَع، ولها درجاتٌ طبقاً للشروط الذي يذكرونها فيها: ويستفاد من لحن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أنّ البيعة نوع من العقد اللازم من جهة المبايع، ويجب العمل طبقاً لما بايع عليه، ويكون مشمولاً بالقانون الكلّي «أوفوا بالعقود» فعلى هذا لا يحقّ للمبايع الفسخ، ولكن المبايَع له أن يفسخ البيعة إن وجد في الأمر صلاحاً وفي هذه الصور يتحرر للمبايع من بيعته[٣] \.
[١]ـ مقدمة ابن خلدون، صفحة ١٧٤.
[٢]ـ الممتحنة، الآية ١٢.
[٣]ـ نقرأ في حادثة كربلاء أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) خطب أصحابه ليلة العاشر من المحرم وأحلّ بيعته من أصحابه بعد أن أظهر تقديره لهم وشكرهم على مواساتهم إيّاه لينطلقوا حيث يشاؤون فقال: «انطلقوا في حِلٍّ منّي ليس عليكم منّي ذمام» لكنّهم لم يتركوا الحسين (عليه السلام) وبقوا على وفائهم [الكامل: لابن الأثير، ج٤، ص٥٧].