تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧
وآخر صفة أنّه يهدي إلى الرشد: (
والى طريق مستقيم
).إنّ التفاوت بين الدعوة إلى الحق والى الصراط المستقيم، يكمن ظاهراً في أنّ الأوّل إشارة إلى العقائد الحقة، والثّاني إلى البرامج العملية المستقيمة الصحيحة.
وجملة: (
أنزل من بعد موسى
) وجملة: (مصدقاً لما بين يديه
) تؤيدان أنّ هذه الطائفة كانوا مؤمنين بالكتب السماوية السابقة، وخاصة كتاب موسى (عليه السلام)، وكانوا يبحثون عن الحق.وإذا رأينا أنّ الكلام لم يرد عن كتاب عيسى الذي أنزل بعد موسى (عليه السلام)، فليس ذلك بسبب ما روي عن ابن عباس من أنّ الجن لم يكونوا مطلعين على نزول الإنجيل مطلقاً، إذ أنّ الجن كانوا مطلعين على أخبار السماوات وعالمين بها، فكيف يمكن أن يغفلوا عن أخبار الأرض إلى هذا الحد؟ بل بسبب أنّ التوراة كانت هي الكتاب الأساسي، فحتى المسيحيون كانوا قد أخذوا ويأخذون أحكام شريعتهم عنها.
ثمّ أضافوا: (
يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به
) إذ ستمنحون حينها مكافأتين عظيمتين: (يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم
)[١] \.المراد من: (
داعي الله
) نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يرشدهم إلى الله سبحانه، ولما كان أغلب خوف الإنسان واضطرابه من الذنوب وعذاب القيامة الأليم، فقد ذكروا لهم الأمن تجاه هذين الأمرين، ليلفت انتباههم قبل كلّ شيء.واعتبر جمع من المفسّرين كلمة (من) في (من ذنوبكم) زائدة، ليكون ذلك تأكيداً على غفران جميع الذنوب في ظل الإيمان. في حين اعتبرها البعض تبعيضية، وأنّها إشارة إلى تلك الذنوب التي اقترفوها قبل إيمانهم، أو الذنوب التي تتعلق بالله سبحانه، لا بحق الناس.
غير أنّ الأنسب هو كون (من) زائدة وللتأكيد، والآية الشريفة تشمل كلّ
[١]ـ «يجركم» من مادة (إجارة)، وقد وردت بمعان مختلفة: الإغاثة، الإنقاذ من العذاب الإيواء، والحفظ.