تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٠
بحثان ١ ـ قصة تنزيه الصحابة!
المعروف بين علماء أهل السنّة أنّ صحابة رسول الله جميعاً أولو امتياز خاص دون سائر الناس من أُمّة محمّد فهم مطهّرون أزكياء معصومون من الزلل وليس لنا الحق في انتقاص أي منهم أو انتقاده ويحرم الإساءة إليهم بالكلام وغيره، حتى أنّ بعضهم قال بكفر من يفعل ذلك واستدلّوا على ذلك بآيات من الذكر الحكيم منها هذه الآية: (
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً
)...وبالآية (١٠٠) من سورة التوبة إذ تعبّر عن المهاجرين والأنصار بعد ذكرهم في آيات سابقة بقولها: (
رضي الله عنهم ورضوا عنه
)...ولكنّنا إذا ابتعدنا عن الأحكام المسبقة الإعتباطية، فسنجد أمامنا قرائن تتزلزل عندها هذه العقيدة!
الأولى: إنّ جملة: (
رضي الله عنهم ورضوا عنه
) الواردة في سورة التوبة لا تخصّ المهاجرين والأنصار فحسب، لأنّ في الآية تعبيراً آخر وهو: (والذين اتبعوهم بإحسان
) يشمل كلّ من يتّبعهم بالإحسان والصلاح إلى يوم القيامة...فكما أنّ «التابعين» إذا كانوا في خط الإيمان يوماً وفي خط الكفر والإساءة يوماً آخر يخرجون من خيمة رضا الله، فإنّ الموضوع ذاته وارد في الصحابة لأنّهم في آخر سورة الفتح مقيّدون بالإيمان والعمل الصالح أيضاً بحيث لو خرجوا عن هذا القيد ولو يوماً واحداً لخرجوا عن رضوان الله سبحانه...
وبتعبير آخر: إنّ كلمة «بإحسان» هي في شأن التابعين والمتبوعين جميعاً، فأي منهما خرج عن خطّ الإحسان فلن يشمله رضا الله ولطفه...
الثانية: أنّه يستفاد من الروايات الإسلامية أنّ أصحاب النّبي وإن امتازوا بشرف صحبته، إلاّ أنّ من يأتي بعدهم في الفترات المقبلة وهم ذوو عمل صالح وإيمان راسخ أفضل منهم من جهة واحدة وهي أنّ أصحاب النّبي شهدوا معاجزه بجميع أنواعها غير أنّ الآخرين اتبعوا منهاجه دون مشاهدتها وساروا على هداه بالإفادة من الدلائل الأُخر...
ونقرأ في بعض أحاديث النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سأله أصحابه: «نحن إخوانُك يا رسول الله؟! قال: لا أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعدي. آمنوا بي ولم يروني، وقال: للعامل منهم أجر خمسين منكم، قالوا: بل منهم يا رسول الله؟! قال: بل منكم ردّدها ثلاثاً، ثمّ قال: لأنّكم تجدون على الخير أعواناً»[١] \.
كما نقل في صحيح مسلم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ودِدْتُ أنّا قد رأينا إخواننا، قالوا: أوَ لسنا إخوانك يا رسول الله؟! فقال: أنتم أصحابي وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعد»[٢] \.
ويؤيّد العقل والمنطق هذه المقولة أيضاً حيث إنّ من لم يدركوا رسول الله ولم يتعلّموا بين يديه وهم في الوقت ذاته مثل أصحابه من حيث الإيمان والعمل الصالح فهم أفضل من الصحابة...
الثالثة: إنّ هذا الكلام من وجهة النظر التاريخية مقدوح فيه كثيراً لأنّ بعض الصحابة بعد زمان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل حتى في عصره حاد عن جادّة الصواب...
فكيف يمكن أن نُبرّئ الذين أشعلوا نار فتنة «الجمل» وقتلوا ما قتلوا وحملوا على خليفة رسول الله حقّاً بالسيف ولا نعدّهم آثمين خاطئين...
أو أن نقول إنّ الذين اجتمعوا في النهروان وصفّين وثاروا على وصي رسول الله وخليفته المنتخب من قبل المسلمين وسفكوا الدماء الغزيرة مشمولون برضوان الله ولا غبار عليهم من الذنب والإثم؟!
وأعجب من ذلك كله أن يُعتذر ـ عن أولئك الذين أخطأواً كلّ هذه الأخطاء وفعلوا ما فعلوا ـ بأنّهم مجتهدون، والمجتهد معذور! هكذا وجّهوا الأمر!!
وإذا أمكن أن توجّه أمثال هذه الذنوب الكبيرة على أنّها اجتهاد فلا مجال لملامة أي قاتل، ولا داعي لإقامة حدود الله في شأنه!! فلعلّه اجتهد فأخطأ!!...
وبتعبير آخر: أنّه قد تقابلت في معركة الجمل وصفّين والنهروان طائفتان متحاربتان ومن المسلّم به قطعاً أنّهما لم تكونا جميعاً على الحق، لأنّ الجمع بين الضدّين محال، فمع هذا التقدير كيف يمكن القول بأنّ الطائفتين كلتيهما مشمولتان برضا الله، والمسألة لم تكن من المسائل العويصة الملتوية ولم يكن التمييز بين الحق والباطل صعباً ولا مشكلاً... فالجميع كانوا يعرفون أنّ علياً (عليه السلام) أمّا طبقاً لنص النّبي عليه أو بانتخاب المسلمين هو الخليفة الحق ومع هذا فقد واجهوه بالسيف، فكيف يُوجه هذا العمل عن طريق الإجتهاد؟
ولمَ لا يوجّهون قيام «أصحاب الردّة» في زمان أبي بكر عن طريق الإجتهاد وعدوّهم مرتدّين رسماً... غير أنّهم برّأوا أصحاب الجمل وصفّين والنهروان من أي ذنب وإثم!!؟
وعلى كلّ حال... يبدو أنّ مسألة «تنزيه الصحابة» بصورة مطلقة كانت حكماً سياسياً لتحفّظ جماعة بعد النّبي موقعها وتعوّل على هذا الحكم، وتصون نفسها من الإنتقاد...
وهذا الموضوع لا ينسجم مع حكم العقل ولا مع التواريخ الإسلامية المسلّم بها...
وما أحسن أن نحتكم في شأن أصحاب النّبي في الوقت الذي نجلّهم ونحترمهم ذاته ـ إلى معيار يقضي عليهم بالحق من خلال أعمالهم وعقائدهم عبر حياتهم من البداية حتى النهاية، ذلك المعيار الذي أفدناه من القرآن الكريم وذلك المعيار الذي وزن النّبي به صحابته...
[١]ـ تفسير روح المعاني، ج٩، ص٦١.
[٢]ـ صحيح مسلم، ج١، الحديث ٣٩.