تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٢
الآيتان
هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً
( ٢٨ )مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الاِْنجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْـئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً
( ٢٩ ) التّفسير (أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم):في هاتين الآيتين اللتين بهما تنتهي سورة الفتح إشارة إلى مسألتين مهمّتين من «الفتح المبين» أي «صلح الحديبيّة» احداهما تتعلّق بعالميّة الإسلام والثانية تتعلّق بأوصاف أصحاب النّبي وخصائصهم وما وعدهم الله سبحانه به!
فالأولى منهما تقول: (
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه وكفى بالله شهيداً
).وهذا وعد صريح وقاطع من الله سبحانه في غلبة الإسلام وظهوره على سائر الأديان.
أي لا تعجبوا لو أخبركم اللّه عن طريق رؤيا نبيّه محمّد بالإنتصار وأن تدخلوا المسجد الحرام بمنتهى الأمان وتؤدّوا مناسك العمرة دون أن يجرؤ أحد على إيذائكم، كما لا تعجبوا أن يبشّركم الله بالفتح القريب ـ فتح خيبر «فأوّل الغيث قطرة» وسيكون الإسلام باسطاً ظلاله في أرجاء المعمورة ويظهر على جميع الأديان...
ولِمَ لا يكون كذلك ومحتوى دعوة النّبي هداية الله إذ «أرسله بالهدى» ودينه «دين الحق» ويستطيع كلّ ناظر غير منحاز أن يرى حقّانيته في آيات القرآن وأحكام الإسلام الفرديّة والإجتماعية والقضائية والسياسية! وكذلك تعليماته الأخلاقية والإنسانية. وأن يعرف علاقة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالله حقّاً من خلال إخباره بالمغيّبات وتنبّؤاته التي تقع في المستقبل بصورة قاطعة.
أجلْ: إنّ منطق الإسلام المتين ومحتواه الغني الغزير يطهّر الأرض من أديان الشرك الملوّثة، وتخضع له الأديان السماوية المحرّفة الأُخرى وأن يشدّ بأسلوبه الشائق(١) القلوب إليه.
ولكن ما المراد بـ «الظهور على الدين كلّه»؟ أهو الظهور المنطقي؟! أم الظهور (والغلبة) العسكريان؟! هناك اختلاف بين المفسّرين..
يعتقد جماعة منهم أنّ هذا الظهور هو الظهور المنطقي والإستدلالي فحسب وهذا الأمر متحقق، لأنّ الإسلام متفوّق من حيث الإستدلال والقدرة المنطقية على جميع الأديان.
ولكنّ جماعة آخرين فسّروا هذا الظهور بالغلبة الظاهرية وغلبة القوة، وموارد استعمال كلمة «يظهر» ومشتقاتها أيضاً دليل على الغلبة الخارجية... ولهذا يمكن القول أنّه بالإضافة إلى نفوذ الإسلام في مناطق كثيرة واسعة من الشرق والغرب وهي تحت لوائه اليوم وتدين به أكثر من أربعين دولة إسلامية بنفوس يقدّر إحصاؤها بأكثر من مليارد نسمة فإنّه سيأتي زمان على الناس يستوعب الإسلام جميع أرجاء المعمورة «رسميّاً» وسيكتمل هذا الأمر بظهور المهدي أرواحنا فداء إن شاء الله.
وكما نقل عن بعض أحاديث النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله كلمة الإسلام»[٢] \.
وسبق أن بحثنا في هذا المجال في نفس هذا التّفسير ذيل الآية (٣٣) من سورة التوبة المشابهة لهذه الآية محل البحث.
وهنا ملاحظة تلتفت النظر إليها وهي أنّ البعض ذهب إلى أنّ التعبير بالهدى إشارة الى استحكام العقائد الإسلامية، في حين أنّ التعبير بـ «دين الحق» ناظرٌ إلى حقّانية فروع الدين، إلاّ أنّه لا دليل لدينا على هذا التقسيم، والظاهر أنّ الهداية والحقّانية هما في الأصول والفروع معاً...
وفي عود الضمير في «ليظهره» هل يعود على الإسلام أم على النبي؟ للمفسّرين احتمالان، إلاّ أنّ القرائن تدل بوضوح على أنّ المقصود هو دين الحق، لأنّه قريب من الضمير، هذا من حيث النظم والسبك اللغوي، كما أنّ المناسب ظهور الدين على الدين الآخر لا ظهور الشخص على الدين ـ أيضاً ـ.
وآخر ما نريد بيانه في شأن هذه الآية أنّ جملة (
كفى بالله شهيداً
) إشارة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ هذا التوقع أو التنبّؤ لا يحتاج إلى أي شاهد، لأنّ شاهده الله، ورسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لا تحتاج إلى شاهد آخر، لأنّ الشاهد هو الله أيضاً، وإذا لم يوافق سهيل بن عمرو وأمثاله على كتابة عنوان (رسول الله) بعد اسم النّبي محمّد فليس ذلك مدعاة للتأثر أبداً.وفي آخر آية وصفٌ بليغٌ لأصحاب النّبي الخاصّين والذين كانوا على منهاجه على لسان التوراة والإنجيل وهو مدعاة افتخار لهم إذ أبدوا شهامتهم ورُجولتهم في الحديبيّة والمراحل الأُخر كما أنّه درس اختبار لجميع المسلمين على مدى القرون والأعصار!...
فتقول الآية في البداية: (
محمّد رسول الله
).سواء رضي به خفافيش الليل كسهيل بن عمرو أم لم يرضَ به؟! واخفوا أنفسهم عن هذه الشمس التي أشرقت على العالم أجمع أم لم يُخفوا؟! فالله يشهد على رسالته ويشهد بذلك العارفون.
ثمّ تصف الآية أصحابه وخلالهم (وسجاياهم) الباطنية والظاهرية ضمن خمس صفات إذ تقول في وصفهم: (
والذين معه أشدّاء على الكفّار
).وصفتهم الثانية أنّهم: (
رحماء بينهم
).أجل: هم منطلق للمحبّة والرحمة فيما بينهم كما أنّهم نار ملتهبة وسد محكم بوجه أعدائهم الكفّار...
وفي الحقيقة أنّ عواطفهم وأفكارهم تتلخّص في هاتين الخصلتين: «الرحمة» و«الشدّة»... لكن لا تضادّ في الجمع بينهما أوّلاً، ولا رحمتهم فيما بينهم وشدّتهم على الكفّار تقتضي أن تحيد أقدامهم عن جادّة الحق ثانياً...
ثمّ تضيف الآية مبيّنة وصفهم الثّالث فتقول: (
تراهم ركّعاً سجّداً
).هذا التعبير يجسد العبادة بركنيها الأساسيين: «الركوع والسجود» على أنّها حالة دائمية لهم، العبادة التي هي رمز للتسليم أمام أمر الله الحق، ونفي الكبر والغرور والأنانية عن وجودهم.
أمّا الوصف الرابع الذي تذكره الآية عن هؤلاء الأصحاب فهو بيان نيّتهم الخالصة الطاهرة فتقول: (
يبتغون فضلاً من الله ورضواناً
) فهم لا يعملون رياءً ولا يبتغون من الخلق الثواب، بل هدفهم رضا الله وفضله فحسب، والباعث على تحرّكهم في حياتهم جميعاً هو هذا الهدف ليس إلاّ!...حتى التعبير بـ«فضلاً» يدل على أنّهم معترفون بتقصيرهم ويرون أعمالهم أقل من أن يطلبوا الثواب من الله، بل إنّهم مع كلّ عبادتهم وأعمالهم الصالحة ما يزالون قائلين: لولا فضلك يا ربّنا فالويل لنا..
أمّا الوصف الخامس فهو عن سيماهم المشرق إذ تقول الآية: (
سيماهم في وجوههم من أثر السجود
)[٣] \.«سيما» في الأصل معناها العلامة والهيأة، سواءً أكانت هذه العلامة في الوجه أم في مكان آخر وإن كانت في الإستعمال العرفي تشير إلى علامة الوجه! والأثر الظاهريّ له...
وبعبارة أُخرى أنّ قيافتهم تدلّ بصورة جيدة أنّهم أناس خاضعون أمام الله والحق والقانون والعدالة، وليست العلامة في وجوههم فحسب، بل في جميع وجودهم وحياتهم تبدو هذه العلامة...
وبالرغم من أنّ بعض المفسّرين يرى بأنّ «السيماء» هي الأثر الظاهر في الجبهة من السجود أو أثر التراب عليها من مكان السجدة... غير أنّ هذه الآية كما يظهر لها مفهوم أوسع ترتسم ملامحه على وجوه هؤلاء الرجال الربّانيين...
وقال بعضهم: هذه الآية إشارة إلى إشراق وجوههم يوم القيامة كالبدر من كثرة سجودهم....
وبالطبع يمكن أن تكون جباههم ووجوههم على هذه الهيّأة يوم القيامة إلاّ أنّ الآية تتحدّث عن وضعهم الظاهري في الدنيا...
وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق في تفسير هذه الجملة أنّه قال: «هو السهر في الصلاة!»[٤] \.
ولا مانع من الجمع بين هذه المعاني كلّها!...
وعلى كلّ حال فإنّ القرآن يضيف بعد بيان هذه الأوصاف: (
ذلك مثلهم في التوراة
)!فهذه حقيقة مقولة قبلاً وأوصافٌ وردت في كتاب سماوي نزل منذ أكثر من ألفي عام...
ولكن لا ينبغي أن ننسى أنّ التعبير بـ(
والذين معه
) يحكي عن معيّة النّبي في كلّ شيء، في الفكر والعقيدة والأخلاق والعمل لا عن أولئك الذين كانوا في عصره ـ وإن اختلفوا وإيّاه في المنهج.ثمّ يتحدّث القرآن عن وصفهم في كتاب سماوي كبير آخر وهو الإنجيل فيقول: (
ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع
)[٥] \.«الشطأ»: معناه الفسيل أو البرعم الذي يخرج إلى جانب الساق الأصلي للزرع... و«آزره» مشتقٌّ من المؤازرة أي المعاونة.
و«استغلظ» مشتقٌّ من مادة الغلظة، أي أنّه متين...
[١]ـ يجري على ألسنة الناس وبعض الأدباء قولهم هذا أسلوب شيّق، وهذا التعبير خطأ، والصحيح «شائق» أي مثير للشوق أمّا الشيّق فهو المشتاق (المصحّح).
[٢]ـ تفسير مجمع البيان، الجزء ٥، ص٢٥، القرطبي نقل هذه الرواية عن النّبي أيضاً ذيل الآية ٥٥ من سورة النور، ج٧، ص٤٦٩٢.
[٣]ـ سيماهم: مبتدأ و«في وجوههم» خبره و«من أثر السجود» قد يكون حالاً عن السيماء والأفضل أن تعد (من) نشوية أي: «سيماهم في وجوههم وهذه السيماء والعلامة من أثر سجودهم».
[٤]ـ «من لا يحضره الفقيه» و«روضة الواعظين»، طبقاً لما ورد في تفسير نور الثقلين، ج٥، ص٧٨.
[٥]ـ هناك كلام بين المفسّرين في جملة «ومثلهم في الإنجيل» أهي جملة مستقلة ووصف آخر عن أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)غير ما وُصفوا في التوراة، أم هي معطوفة على جملة ذلك مثلهم في التوراة؟ فيكون الوصفان مذكورين في كتابين سماويين! الظاهر أنّ الآية ذكرت الوصفين كلاًّ على حدة في كتاب سماوي ولذلك كرّرت كلمة «مثلهم» ولو كان هذا الوصف معطوفاً على السابق لاقتضت الفصاحة أن يكون التعبير: ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل.