تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧١
ملاحظة قصة غزوة خيبر:
لمّا عاد النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبيّة نحو المدينة أمضى شهر ذي الحجة كلّه وأياماً من شهر محرم الحرام من السنة السابعة للهجرة في المدينة، ثمّ تحرّك بألف وأربعمائة نفر من المسلمين الذين كانوا حضروا الحديبيّة نحو «خيبر» [حيث كان مركزاً للتحرّكات المناوئة للإسلام وكان النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحيّن الفرص لتدمير ذلك المركز للفساد].
وقد صمّمت قبيلة غطفان في البداية أن تحمي يهود خيبر غير أنّها خافت بعدئذ عواقب أمرها (فاجتنبت حمايتها لهم).
فلمّا وصل النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قريباً من قلاع خيبر أمر أصحابه أن يقفوا ثمّ رفع رأسه الشريف للسماء ودعا بهذا الدعاء:
«اللّهمَّ ربّ السماوات وما أظللن وربّ الأرضين وما أقللن، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها».
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أقدموا بسم الله»، وهكذا وصلوا خيبر ليلاً وعند الصباح ـ حيث علم أهل خيبر بالخبر ـ وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل جنود الإسلام، ثمّ فتح النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القلاع قلعة بعد اُخرى حتى بلغ أقوى القلاع وأمنعها وآخرها وكان فيها «مرحب» قائد اليهود المعروف.
وفي هذه الأيّام أصاب رأس النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجع شديد كان ينتابه أحياناً حتى أنّه لم يستطع الخروج من خيمته ـ يوماً أو يومين.. وفي هذه الأثناء وطبقاً لما ورد في التاريخ الإسلامي، حمل أبو بكر الراية في يده وتوجّه بالمسلمين نحو معسكر اليهود غير أنّه سرعان ما عاد وهو صفر اليدين دون نتيجة، ومرّة أُخرى أخذ عمر الراية وحمل بالمسلمين بصورة أشد فما أسرع ما عاد دون جدوى...
فلمّا بلغ الخبر مسمع النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «والله لأعطينها غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله يأخذها عنوة!».
فاشرأبت الأعناق من كلّ جانب تُرى من هو المقصود، وقد حدس جماعة منهم أنّ مقصوده (علي) (عليه السلام)، إلاّ أنّ علياً كان مصاباً بوجع في عينه فلم يكن حاضراً حينئذ، ولمّا كان الغد أمر النّبي بأن يدعو له علياً، فجاء راكباً على بعير له حتى أناخ قريباً من خباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أرمد قد عصّب عينيه.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما لك؟
قال علي (عليه السلام): رمدت بعدك.
فقال له: أدنُ مني، فدنا منه، فتفل في عينيه، فما شكا وجعاً حتى مضى بسبيله. ثمّ أعطاه الراية.
فتوجّه علي (عليه السلام) بجيش الإسلام نحو القلعة الكبرى (من خيبر) فرآه رجل يهودي من أعلى الجدار فسأله من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب. فنادى اليهودي: أيّتها الجماعة حان اندحاركم، فجاء «مرحب» آمر الحصن ونازل علياً فما كان إلاّ أن هوى إلى الأرض صريعاً بضربة علي(عليه السلام)، فالتحمت الحرب بين المسلمين واليهود بشدّة فاقترب علي(عليه السلام) من باب الحصن فقَلعه فدحاه فرماه بقوّة خارقة إلى مكان آخر، وهكذا فُتحت القلعة ودخلها المسلمون فاتحين.
واستسلم اليهود وطلبوا من النّبي أن يحقن دماءهم لاستسلامهم، فقبل النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وغنم الجيش الإسلامي الغنائم المنقولة، وأودع النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الأرض والأشجار بأيدي اليهود على أن يعطوا المسلمين نصف حاصلها[١] \.
* * *
[١]ـ نقلاً بتلخيص عن [الكامل في التاريخ لابن الأثير] ج٢، ص٢١٦ ـ ٢٢١.