المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٨١ - باب العض في الهبة
المعتبر حال المالك فإذا لم يكن بينهما قرابة عرفنا أن مقصوده العوض ما لم ينل العوض كان له أن يرجع فيه .
قال ( رجل وهب لرجل خمسة دراهم وثوبا وقبض ذلك الموهوب له ثم عوضه الثوب أو الدراهم من جميع الهبة لم يكن ذلك عوضا لانها هبة واحدة ) وقد بينا أن عقد الشئ في عقد واحد لا يكون عوضا ومعوضا وقد علمنا ان هذا لم يكن مقصود الواهب في الهبة .
قال ( وان كانا في عقدين مختلفين في مجلس أو مجلسين فعوضه احداهما على الاخرى فهذا عوض نأخذ فيه بالقياس ) وروى بشر عن أبى يوسف رحمهما الله انه لا يكون عوضا لانا نعلم أن الواهب لم يقصد هذا فقد كان مملوكا له فالعقد الواحد والعقدان في هذا المعنى سواءوجه ظاهر الرواية أن اختلاف العقد كاختلاف العين ويستقيم جعل احدهما عوضا عن الآخر شرطا عند اختلاف العقد فكذلك مقصودا وقد يقصد الواهب هذا بأن يهب شيئا ثم يحتاج إليه فيندم فيستقبح الرجوع فيه فيهب منه شيئا آخر على أن يعوضه الاول فيحصل منه مقصوده ويندفع عنه مذمة لرجوع في الهبة .
أرأيت لو كان الاول منهما صدقة والآخر هبة فعوضه الصدقة عن الهبة أما كان ذلك عوضا
وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحهما الله تعالي لو وهب نصف داره من رجل وتصدق عليه بنصفها وسلم الكل لم يجز في قول زفر لان اختلاف السبب كتفرق العقد والتسليم فكأنه وهب النصف وسلم ثم النصف وقال أبو يوسف رحمه الله التسليم حصل جملة واحدة بعقد هو تبرع كله فيجوز كما لو وهب الكل وهذا لان الفرق بين الصدقة والهبة في مقصود العوض ففى الصدقة المقصود الثواب دون العوض وفي الهبة المقصود العوض فأما في اخراج العين عن ملكه وتمليك القابض بطريق التبرع لافرق بينهما .
قال ( وان وهب له حنطة فطحن بعضها وعوض دقيق تلك الحنطة كان جائزا ) لان الدقيق حادث بالطحن وهو غير الحنطة ولهذا يكون مملوكا للغاصب فكان تعويضه دقيق هذه الحنطة ودقيق حنطة أخرى سواء ولان حقه في الرجوع قد انقطع بالطحن فتعويضه اياه لا يكون رجوعا فأما قبل الطحن حق الواهب في الرجوع ثابت والرد مستحق على الموهوب له إذا رجع فيه الواهب فيقع فعله على الوجه المستحق وعلى هذا لو وهب له ثيابا قصبغ منها ثوبا بعصفر أو خاطه قميصا ثم عوضه أو كان وهب له سويقا فلت بعضه ثم عوضه لان حقه في الرجوع قد انقطع بهذا الصنع والتحق هذا بسائر أموال الموهوب له فكما أنه لوعوضه مالا آخر كان ذلك عوضا