المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٣٥ - كتاب الوقف
( وروى ) عن معاذ بن جبل وابن عباس وشريح والحسن والشعبى رضى الله عنهم قالوا لا تجوز الصدقة حتى يقبض وبه نأخذ فنقول ان الصدقة لا تتم الا بالقبض بخلاف ما يقوله مالك رحمه الله تعالى وهذا لان المتصدق يجعل ما يتصدق به خالصا لله تعالى باخراجه عن ملكه وحقه ولا يتم ذلك الا بالاخراج من يده ولا خلاف فيه بين العلماء رحمهم الله تعالى في الصدقة المنفذة وقال أهل المدينة رحمهم الله مجرد الاعلام يكفى لذلك لما جاء في الاثر عن ابن مسعود رضى الله عنه وغيره إذا أعلمت الصدقة جازت وجعلوا ذلك قياس العتق فان العتق يزيل المعتق عن ملكه ويجعله لله تعالى ثم يتم ذلك بنفسه فكذلك الصدقة ولان الآخذ للصدقة هو الله تعالى قال الله تعالى ويأخذ الصدقات وقال عليه الصلاة والسلام ان الصدقة ان الصدقة تقع في كف الرحمن فيربيها كما يربى أحدكم فلوه حتى تصير مثل أحد .
ولكنا نقول هذا في ضمن الاتصال إلى الفقير ليكون الفقير آخذا كفايته من الله تعالي فانه عبد الله وكفاية العبد على مولاه وقد وعدله ذلك بقوله تعالى وما من دابة في الارض الاعلى الله رزقها ولهذا لم يكن للمعطى منة على القابض وهذا المقصود لا يحصل قبل التسليم إلى الفقير فلا تتم الصدقة بخلاف العتق فالعبد في يد نفسه فيصير قابضا نفسه مع أن المعتق متلف للملك والرق فيه والاتلاف يتم بالتلف والمتصدق غير متلف للملك بل جاعل الملك لله تعالى خالصا وذلك في ضمن التمليك من الفقيرفكما ان التمليك من الفقير لايتم إلا بالتسليم إليه فكذلك جعله الله تعالى .
فأما الصدقة الموقوفة على قول أبى يوسف رحمه الله تلزم بالاعلام وان لم يخرجها من يده إلى يد المتولي وعلي قول محمد رحمه الله لايتم الا بالاخراج من يده والتسليم إلى المتولي وهو قول ابن أبى ليلى .
وحجته في ذلك أن ازالة الملك بطريق التبرع فتمامه بالتسليم كما في الصدقة المنفذة وهذا لانه لو لزمه قبل التسليم لصارت يده مستحقة عليه والتبرع لا يصلح سببا للاستحقاق على المتبرع في غير ما تبرع به فينبغي أن يكون متبرعا في ازالة بده كما في ازالة ملكه وذلك بأن لم تتم الصدقة قبل التسليم بل هذا أولى من الصدقة المنفذة فان جواز ذلك متفق عليه بين العلماء رحمهم الله وفى جواز الصدقة الموقوفة ولزومها خلاف ظاهر ثم تلك الصدقة مع قوتها لا تتم الا بالتسليم فهذا أولى
وقال في الكتاب من جوز الصدقة غير مقبوضة لم يفصل بين الصدقة الموقوفة والمنفذة وهو قول أهل المدينة رحمهم الله وكذلك من لم يجوزها الا مقبوضة والفرق بينهما من نوع التحكم وقد بينا أن ذلك لا يجوز وأبو يوسف رحمه الله يقول هذه ازالة ملك لا تتضمن التمليك فتتم بدون القبض