أساليب بلاغية - أحمد مطلوب - الصفحة ٤٨ - القزوينى
كنّى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن ، وأصاب ؛ لأنّ من شأن البكاء أن يكون كناية عنه كقولهم : «أبكانى وأضحكنى» أى : أساءنى وسرنى ، كما قال الحماسى :
|
أبكانى الدهر ويا ربّما |
أضحكنى الدهر بما يرضى |
ثم طرد ذلك فى نقيضه فأراد أن يكنّى عما يوجبه دوام التلاقى من السرور بالجمود لظنه أنّ الجمود خلوّ العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شىء آخر ، وأخطأ لأنّ الجمود خلوّ العين من البكاء فى حال إرادة البكاء منها فلا يكون كناية عن المسرة وإنّما يكون كناية عن البخل كما قال الشاعر :
|
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط |
عليك بجارى دمعها لجمود |
وضبط القزوينى الكلام الخالى من التعقيد وقال عنه : «ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثانى الذى هو المراد به ظاهرا حتى يخيل إلى السامع أنّه فهمه من حاقّ اللفظ» [١].
وأضاف إلى ذلك خلوص الكلام من كثرة التكرار ، كقول المتنبى :
|
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة |
سبوح لها منها عليها شواهد |
وخلوّه من تتابع الإضافات ، كقول ابن بابك :
|
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعى |
فأنت بمرأى من سعاد ومسمع |
وكان الصاحب بن عباد قد أشار إليه بقوله : «إياك والاضافات المتداخلة فانها لا تحسن». ويرى القزوينى أنّ هذا الشرط لا يؤخذ به دائما ، لأنّ ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثقل على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه وإلّا فلا تخلّ بالفصاحة ، وقد قال النبى صلىاللهعليهوسلم : «الكريم بن الكريم
[١] الإيضاح ، ص ٦.