موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٣٠٦ - موازنة تاريخية
و كان ما أحصيناه من الأشياء التى يفتخر بتعميرها و تزيينها أحد الملوك ليس كل ما قام به إذ كان سلطاننا القوى حريصا على حب التعمير مثل والده فشملت حميته الدينية المبسوطة كافة الآثار الجليلة للحرمين، فقد عمّر مقام يحيى- (عليه السلام)- واجب الاحترام و ضريح السيد بلال و أضرحة الأنبياء الآخرين، و مقامات الأولياء و رتبها و زينها لا يشك فى خدمة من تلك الخدمات، و إحياؤه و إنشاؤه زاوية لا مثيل لها بدلا من التكية الخربة بعد ٥٠٠ عام.
و بناء على المعلومات التى أمدنا بها الإمام تقى الدين عبد الرحمن أبو الفرح الحواسبى فى حق هذا المقام فى كتابه النفيس: «ترياق المحبين فى ذكر طبقات المشايخ العارفين»، أن التكية الرفاعية أربعة مبان متداخلة بعضها فى بعض و كانت قد بنيت على أربعة آلاف عقدة، و كان مائة ألف زائر يجتمع فيها و كانت التكية تستوعبهم كلهم، و كانت سماحة القطب الجليل و كرمه يكفيان لإطعام الضيوف كلهم و كان يطعم فى التكية الشريفة ما عدا هؤلاء المجتمعين عشرون ألفا من المريدين، و إن كانت قضية الإطعام هذه تعلن عن وجود ثروة عظيمة فى الميدان إلا أن انتفاع الشيخ و أولاده و أخلافه الكرام ندعه جانبا إذ كانوا بسطاء بدرجة لا تفرقهم عن مريديه، و فى هذه الحالة لا يشك أن تلك الثروة مجرد رزق للفقراء و أنهم مفتقرون لذلك الرزق. و الغرض من هذا الإيضاح هو لفت الأنظار إلى الزاوية الرفاعية و عرض أهميتها و أهمية أحبائها من قبل السلطان و بناء على ذلك نستمر فى الإيضاح و نقيد الآتى: «قد تولى المعين مهمة الإرشاد فى سنة ٥٤٠ الهجرية و قد بلغ عدد الرسائل التى تلقاها من مريديه الذين وصلوا إلى أربعين فردا بعد سبع سنوات، سبعمائة ألف رسالة، و كثرة إرشاداته لهذه الدرجة هى محل موازنة للفيوضات الإلهية التى وهبها اللّه لذلك الشخص عالى المقام، و قد بنى التكية بناء على توسع جمعية و كثرة مريديه و قد قيد فى التواريخ أنه لم يبق فرد فريد فى قرى و مدن، واسط و بطايح من لم يمد يد العون لهذه التكية.
و كان سبب انقراض تلك التكية الوباء الذى ظهر فى سنة ثمانمائة الهجرية؛ و بما أن الوباء المذكور لم يترك قرية أو مدينة فى نواحى واسط و بطايح دون أن