موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ١٠٥ - الصورة الثالثة فى ذكر الأحاديث الشريفة التى وردت فى حق الذين اختاروا الإقامة فى المدينة الطاهرة و الذين أحدثوا البدعة و المبدعين و الذين يعاونونهم
بناء على ما حققه ابن عبد البر فيما كتبه أن الخائن ابن أبى أرطأة قد بعث لدعوة الناس إلى مبايعة معاوية و فى حالة عدم مبايعتهم فإنه مأذون أن يستخدم معهم الشدة و الغلظة، مع أن الذين رأوا ما أظهره حضرة جابر من شجاعة فى هذا الموضوع أعجبوا بها و قالوا لا يستطيع أن يقبل هذه البيعة و انسحب إلى حرة بنى سليم رافضين عرضه و اتحد جابر مع أفراد بنى سليم و نجى من يد غدر ابن أرطأة و ظلمه. و مع هذا لما فهم حضرة جابر أنه لن ينجو من يد بسر إذا لم يبايع معاوية و أن غرض بسر الحقيقى كان أن يقبض على جابر مهما بذل فى سبيل ذلك من تضحيات أو مال و فعلا بدأ فى التحريات فى هذا الخصوص. و لما اطلع جابر على ذلك لقى أم سلمة- رضى اللّه عنها- من أمهات المؤمنين و قال لها إن البيعة التى يطلبها بسر بيعة ضالة باطلة، و لكننى إذا رفضتها فلا شك بأنه سيقتلنى فما رأيكم فى هذا الخصوص؟ فقالت له: «على رأيى يجب أن تذهب بنفسك و تبايعه حتى تمنع وقوع نار الفتنة! فقد بعثت بابنى عبد اللّه [١] بن أبى سلمة أيضا لذلك و إنه سيذهب للمبايعة». و بما أن أم سلمة رضى اللّه عنها أفتت بلزوم البيعة فبايع مضطرا و هكذا نجى بنفسه من يد ظلم ابن أرطأة.
و كان من عادة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يوصى برعاية أهل المدينة و يحذر من إخافتهم و قد ورد فى ذلك أحاديث كثيرة و من ضمن ما قاله أمير الممالك و الشفقة- عليه أطيب التحية- «المدينة دار هجرتى و المكان الذى رحلت إليه، فمن واجب أمتى اجتناب الكبائر و مراعاة جانب جيرانى، و كل من لا يحترمهم و لا يرعاهم يسقيهم اللّه يوم القيامة من عصارة أهل النار. و الحديث إن المدينة مهجرى و مضجعى! إننى سأبعث من هناك فالذى يليق بأمتى رعاية جيرانى و المحافظة عليهم! و كل من يحافظ على وصيتى فإننى سأكون له شهيدا يوم القيامة، و الذين يضيعون وصاياى فاللّه سبحانه و تعالى يسقيهم يوم القيامة من
[١] عبد اللّه بن أبى سلمة هذا قد استشهد فى داخل الحرم النبوى من قبل مسلم بن عقبة فى وقعة الحرة إذ رفض أن يبايع يزيد.
و الذى فى تاريخ الطبرى أنه عمر ابن أبى سلمة. تاريخ الطبرى ٥/ ١٣٩.