موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٢٦ - الصورة الثالثة فى ذكر و بيان كيفية دفن من أدركه الأجل فى المدينة الطاهرة
صعدوا إلى عليين و سكنوا قصور الخلد من بنات و أزواج النبى الطاهرات و أكثر أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المهتدين و عطروا ترابها، و دفن فيها جميع الذين توفوا فى المدينة منذ عصر السعادة، و قد ثبت بناء على أصح الروايات دفن سبعة آلاف من الصحابة بقطع النظر عن التابعين و أتباع التابعين من الصلحاء و الأتقياء.
فالجنائز التى تدفن فى مقبرة البقيع الشريف توضع فى لحد يسمى «قصقية» و لكل قصقية باب مستقل. و بناء على إخبار من اطلع على الأمور، أن لو فتحت قصقية الجنازة التى دفنت اليوم غدا لدفن جنازة أخرى فلا يبقى أثر من عظام الجنازة الأولى و لا تشم لها رائحة عفونة، و ذلك من حكمة اللّه- سبحانه و تعالى و هذه الحالة تصدق مآل الحديث النبوى (صلى اللّه عليه و سلم): «كأنهم ينثرون أهل البقيع مثل الورد فى رياض الجنان» (حديث شريف).
ليس فى المدينة تابوت خاص فالميت سواء أكان من الرجال أو النساء يدفن بكفنه، و تغلق أبواب و فتحات اللحود الجديدة التى صنعت من أجل الجنازة باللبن و التراب بعد الدفن.
و الذين يتوفون فى المدينة المنورة و يدفنون فيها ينالون ثواب الشهيد الذى قتل فى سبيل اللّه كما ورد فى الخبر.
بينما كان الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) يوما فى البقيع جاء رجل من الخارج و قال و قد رأى قبرا يحفر «ما أقبح مكان الشخص الذى سيلقى فى هذا القبر» فأجابه الرسول معاتبا.
«ما أسوأ ما نطقت» و بهذا بين لذلك الصحابى أنه يجب أن يصحح ظنه و عقيدته فقال الصحابى: إننى أردت أن أقول لو كان هذا الرجل مات فى أثناء قتال العدو بدلا من موته فى الفراش فأجابه الرسول بما معناه: ليس فى الدنيا بلد يماثل هذا البلد، فالذين يموتون هنا كأنهم يستشهدون [١] فى سبيل اللّه، عندى أن
[١] روى الطبرانى فى الكبير بإسناد حسن عن سبيعة الأسلمية، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:
«من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه لا يموت بها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة».
(مجمع الزوائد ٣/ ٣٠٦).