موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ١٢٣ - الصورة الثانية فى ذكر القبائل التى كانت فى أرض يثرب وقت أن هاجر إليها الأوس و الخزرج بن ثعلبة
و أفهم أهلها «أنه سيقيم فترة فى ساحة حرم اللّه السعيد». و قال ثعلبة ضمن ما قاله فى تليين أفكار الأهالى: «منذ أن خرجنا من موطننا بلاد سبأ حيثما مررنا بمكان سكنّا برضا أهله هناك حتى نجد لنا مكانا يليق بإقامتنا، و بهذه الصورة وصلنا هنا فأذنوا لنا بالإقامة فى بلادكم فترة و عندما يصل أبناء قومنا إلى هذا المكان سيبعثون عدة أشخاص إلى الإمام ليبحثوا و يتحروا عن بلاد مناسبة و عندما يرد هؤلاء سيرتحلون من هنا، و على كل حال فنحن نريد عونكم» و بذل سعيه بهذه الطريقة ليكتسب رضا أهالى مكة، إلا أن أهالى مكة الذين كانوا من الطوائف المتسلطة و الجراهمة العصاة الذين كانوا اغتصبوا حجابة الكعبة من أيدى بنى إسماعيل و حكومتها و اعتادت على أن تمنع القبائل التى لا تريدها من الدخول إلى أرض مكة فأعادوا ثعلبة خائبا إذ رفضوا طلبه.
و عندما اطلع عمرو مزيقيا على أفكار المكيين القاسية بعث ابنه مرة أخرى و هو يهدد قائلا: «مهما كان الأمر فإننى قد هيأت السبل و الأسباب لقتال الجراهمة حتى آخر نفر من قبيلتى لأدخل مدينة مكة المعظمة!!» و التقى ثعلبة للمرة الثانية بأعيان الجراهمة و صناديدهم و افتتح كلامه ذاكرا أن والده قد تهيأ للحرب و القتال و قال: «لابد و أننا سنقيم فى بلدة مكة المفخمة المعظمة! إذا ما وافقتم على ذلك فإننا سنعرض عليكم مراسم شكرنا و نحمد لكم موقفكم! أما إذا أظهرتم الرفض و المخالفة و الخصومة، سنستولى على مراعيكم و آباركم فى ظل قوة أدرعتنا و شجاعتنا و ننتزع حكومة مكة الجليلة من أيديكم. و لن نعطى لأفراد قبيلتكم قطرة من الماء، إلا إذا رضيتم بشرب ما زاد عن حيواناتنا من مياه موحلة، أما إذا قابلتمونا بالمثل عندئذ سنشعل و طيس الوغى و نقاتلكم فنقهر أبطالكم و ندمرهم و نكبل أطفالكم و نساءكم بالسلاسل».
وردت طائفة الجراهمة ثعلبة بالرفض مرة أخرى مستندين على كثرة عددهم و قوة نفوذهم و احتضنوا أسلحتهم و حاربوا ثلاثة أيام ليلا و نهارا، و لكنهم انهزموا انهزاما غير منتظر و تشتتوا و تفرقوا.