موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ١٠٢ - الصورة الثالثة فى ذكر الأحاديث الشريفة التى وردت فى حق الذين اختاروا الإقامة فى المدينة الطاهرة و الذين أحدثوا البدعة و المبدعين و الذين يعاونونهم
أهل مكة» و بهذا ينقلون أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) حض على عدم امتلاك الأموال فى مكة بل فى المدينة لأن مال كل إنسان يكون بجانبه.
إن مدينة دار السكينة مثل [١] كير الحداد يفرق بين المخلصين من الموحدين و أهل النفاق و تفصل بينهما، كما أن الكير يفصل بين الحديد و خبثه و هكذا تفصل المدينة المنورة تمحص قذارة و وسخ أهل النفاق و تبعدهم عنها و تصفى و تبقى على أهل الإخلاص.
قال أحد الأعراب- و كان قد مرض بالمدينة- للرسول (صلى اللّه عليه و سلم) يا رسول اللّه! أقلنى عن بيعتى [٢].
فأبى الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و أعرض عنه، و غادر الأعرابى المدينة.
عندئذ قال خير البرايا- عليه أكمل التحايا- «و إن المدينة المنورة مثل كير الحداد يزيل الخبث و يصفى الطيب» [٣] يفهم من هذا الحديث أن المدينة المنورة لا تقبل أهل الفساد و البدعة و تطردهم بعيدا، و ما زالت هذه الخاصية فى المدينة الشهيرة و مشهورة بها.
و إن قال بعض الذوات أن الخاصية بالمدينة تنحصر فى عصر السعادة فبناء على حكم القول الشريف «لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها» [٤] و بناء على ما قاله عمر بن عبد العزيز عند ما كان يفارق المدينة المنورة «أخاف أن أكون من الذين تبعدهم المدينة و تطردهم» فخاصية المدينة المنورة ستستمر إلى ظهور الدجال، و لكن الأشخاص الذين ستطردهم المدينة هم الكفار الذين يتصفون بالخبث الكامل، أما العصاة الذين لم يصلوا إلى درجة الكفر ينقلون إلى أماكن مناسبة بواسطة الملائكة بعد ارتحالهم و موتهم، و يفهم من هذا أن أهل المدينة الذين لا
[١] يطلق الكير على موقد الحداد موقد المعادن.
[٢] الإقالة الادعاء بأن الإنسان قال شيئا و فى الحقيقة لم يقل شيئا كالافتراء.
[٣] الخبر فى الصحيحين: انظر صحيح مسلم ٣٢٩٦ فتح البارى ١٣/ ٢٠٠، ٢٠١ باب بيعة الأعراب، عمدة القارى ١٠/ ٢٤٥.
[٤] رواه الإمام مسلم فى صحيحه، كتاب الحج، باب المدينة تنفى شرارها، حديث ٣٢٩٣. ط دار الغد العربى.