تفسير الحبري - الكوفي الحبري، حسين بن حكم - الصفحة ٩٧ - الأمر الثاني إنّ المورد لا يخصّص
ذلك [١].
إذن، لا تسقط فائدة معرفة أسباب النزول من خلال البحث الأصوليّ المذكور، بل تتأكّد.
و ثانيا: إنّ الرجوع إلى أسباب النزول قد لا يرتبط ببحث العموم و الخصوص في الحكم، و إنّما يتعلّق بفهم معنى الآية و تشخيص حدود موردها و تحديد الحكم نفسه من حيث المفهوم العرفيّ، لا السعة و الضيق في موضوعه كما أشير إليه سابقا، و لنذكر لذلك مثالا:
قال اللّه تبارك و تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ سورة البقرة (٢) الآية (١٥٨).
قال السيوطيّ: إنّ ظاهر لفظها لا يقتضي أنّ السعي فرض، و قد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيّته، تمسّكا بذلك [٢].
و وجه ذلك أنّ قوله تعالى: فَلا جُناحَ يدلّ على نفي البأس و الحرج فقط، و لا يدلّ على الإلزام و الوجوب، فإنّ رفع الجناح لا يستلزم الوجوب لكونه أعمّ منه، فكلّ مباح لا جناح فيه، و الواجب- أيضا- لا جناح فيه، لكنّ فيه إلزام زيادة على المباح، و من الواضح أنّ العامّ لا يستلزم الخاصّ.
لكنّ هذا الاستدلال بظاهر الآية مردود، بأنّ ملاحظة سبب نزولها يكشف عن سرّ التعبير ب «فَلا جُناحَ فيها، و ذلك: لأنّ أهل الجاهليّة كانوا
[١] الإتقان (ج ١ ص ١٠٧).
[٢] المصدر السابق (ج ١ ص ١٠٩).