تذكرة الخواص - سبط بن الجوزي - الصفحة ٣٣٤ - فصل
أبا عامر غسل اللّه من درن الذنوب قلبك و انبع بالحكمة لبك لم يزل قلبي اليك تواقا و الى استماع الموعظة مشتاقا بعثك نورا أعيا الاطباء داؤه و أعجز الواعظين شفاؤه و قد بلغني نفع مراهمك للجراح فلا تال رحمك اللّه في ايقاع الدرياق و ان كان مر المذاق فاني ممن يصبر على الم الدواء لما أرجو من الشفاء قال أبو عامر فنظرت الى منظر بهرني و سمعت كلاما افظعني ففكرت طويلا ثم تأتى من كلامي ما تأتى و سهل من صعوبته ما سهل فقلت يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء و اجل سمع معرفتك في سكان الارجاء ترى بحقيقة ايمانك جنة المأوى و تشاهد ما أعد اللّه فيها للأولياء ثم اشرف على لظى و ما اعد اللّه فيها للأشقياء فشتان ما بين الدارين أ ليس الفريقان في الموت سواء قال أبو عامر فان انة و صاح صيحة و زفر زفرة و التوى و قال وقع و اللّه دواؤك على دائي و أرجو ان يكون عندك شفائي زدني يرحمك اللّه فقلت له يا أخي ان اللّه عالم بسريرتك مطلع على خفيتك شاهدك في خلوتك بعينه عند استتارك من خلقه و مبارزته فصاح صيحة اعظم من الأولى ثم قال من لفقري و فاقتي من لذنبي و خطيئتي أنت لي يا مولائي و اليك ملجئي و مثواي ثم خر ميتا.
قال أبو عامر: فاسقط في يدي و قلت ما ذا جنيت على نفسي فخرجت جارية عليها مدرعة من صوف و خمار من شعر قد ذهب السجود بانفها و جبهتها و اصفر لطول القيام لونها و تورمت قدماها فقالت أحسنت و اللّه يا هادي قلوب العارفين و مثير أشجان المحزونين لا أنسى لك هذا المقام رب العالمين يا أبا عامر هذا أبي ابتلى بالسقم منذ عشرين سنة صلى حتى اقعد و صام حتى انحنى و بكى حتى عمي و كان يتمناك على اللّه و يقول حضرت مجلس أبي عامر مرة فاحيا موات فكري و طرد و سن نومي و ان سمعته ثانيا قتلني فجزاك اللّه من واعظ خيرا و متعك من حكمتك بما اعطاك فلقد ارحته مما كان فيه ثم أكبت عليه تقبل عينيه و تبكي و تقول يا ابتاه يا من اعماه البكاء على ذنبه أبي يا ابتاه يا من قتله ذكر وعيد ربه أبي يا أبتاه يا من قتله ذكر ربه أبي يا ابتاه حليف الحرقة و البكاء و حليف الاستغفار و الدعاء يا قتيل المذكرين و الخطباء يا صريع الوعاظ و الحكماء قال أبو عامر فقلت لها أيتها الباكية لحالك و البادية الثكلى ان أباك نحبه قد قضى و ورد دار الجزاء و عاين كلما عمل و عليه يحصى في كتاب عند رب لا ينسى فمحسن فله الزلفى أو مسيء فوارد دار من حزن و أسى فصاحت الجارية كصيحة