تذكرة الخواص - سبط بن الجوزي - الصفحة ١٣٠ - فصل و من كلامه
و قد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم لسانه فمن استطاع منكم ان يلقى اللّه و هو تقي اللسان من اعراض المسلمين نظيف اليد من أموالهم فليفعل.
و في رواية مجاهد عن ابن عباس قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول أما بعد فان اللّه خلق الخلائق حين خلقهم و هو غني عن طاعتهم لا يتضرر بمعصيتهم لأنه لا تضره معصية من عصاه و لا ينفعه طاعة من أطاعه و اتقاه.
فالمتقون في هذه الدار هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب و ملبسهم الاقتصاد و عيشهم التواضع غضوا أبصارهم عن المحارم و وقفوا اسماعهم على العلم النافع و لو لا الرجاء لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا الى جزيل الثواب و خوفا من وبيل العقاب و عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم فهم و الجنة كمن قد رآها منعمون، و في النار كمن رآها معذبون قلوبهم محزونة و شرورهم مأمونة أجسادهم نحيفة و حاجاتهم خفيفة صبروا أياما قصيرة فأعقبهم راحة طويلة؛ اما الليل فصافوا اقدامهم تالين أعز الكلام و احسن النظام يحبرونه تحبيرا و يرتلونه ترتيلا فاذا مروا بآية فيها ذكر تشويق ركنوا اليها طمعا و تطلعت نفوسهم شوقا و هلعا و اذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها بمسامع قلوبهم و مثلوا زفير جهنم في آذانهم فهم مفترشون جباههم و ركبهم و أطراف أقدامهم يجأرون الى اللّه في فكاك رقابهم، و أما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء قد براهم الخوف بري القداح ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض و يقول قد خولطوا و لقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون باعمالهم بالقليل و لا يستكثرون الكثير فهم لانفسهم يمهدون أو مهتمون و من أعمالهم مشفقون اذا زكى أحدهم خاف أشد الخوف يقول أنا أعلم بنفسي من غيري، اللهم فلا تؤاخذني بما يقولون و اجعلني أفضل مما يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون، و من علامة أحدهم انك ترى له قوة في دين و ورعا في يقين و حزما في علم و عزما في حكم و قصدا في غناء و خشوعا في عبادة و تحملا في فاقة و صبرا في شدة و طلبا للحلال و تحرجا عن الطمع يعمل الأعمال الصالحة على وجل و يجتهد في إصلاح ذات البين يمسي و همته الشكر و يصبح و شغله الفكر الخير منه مأمول و الشر منه مأمون يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه و في الزلازل صبور و في المكارم وقور و في الرضا شكور لا ينابز بالالقاب و لا يعرف العاب و لا يؤذي الجار و لا يشمت