القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤١٣ - الرّابع الايمان مستقرّ و مستودع
بإرادة الإيمان اللّساني من الذين آمنوا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم، و جعلوا الأحكام المذكورة في الشّرع لمن يحكم عليه بالارتداد في ظاهر الشّرع. فكما أنّه يحكم عليه بالإيمان بإظهاره، و إن لم يكن مؤمنا في الواقع، فكذلك يحكم بالارتداد بما يوجبه، و إن لم يكن في الأصل مؤمنا، بل و إن بقي على إيمانه الواقعيّ أيضا عند اللّه تعالى عقوبة لهتك حرمة الشّرع.
و التّحقيق، إمكان زوال الإيمان، إمّا بالجحود مع اليقين، كما وقع من أبي جهل و أضرابه، و قد أشرنا إليه سابقا، و إمّا بسبب طروّ الشّبهة، لعدم كون جزمه في الدّين بعنوان حقّ اليقين، و قد بيّنّا أنّه لا ينحصر الإيمان فيه، بل و لا يمكن حصوله عادة إلّا للمعصومين (عليهم السلام)، و الأوحديّ من المؤمنين الكمّل، الذي لا يسمح الزّمان بمثله إلّا في غاية النّدرة، بل يحصل بما تطمئنّ به النّفس سيّما إذا لم يكن عنده احتمال النّقيض، و إيمان أغلب النّاس مبنيّ على ذلك، و الأخبار الواردة في المعارين و المستودعين كلّها شاهد عليه، و كذلك ما ورد في الأدعية من الاستعاذة باللّه من مضلّات الفتن، فإنّ ذلك من المعصومين (عليهم السلام) إن لم يكن بعنوان الحقيقة فلا ريب أنّ مرادهم تعليم سائر المؤمنين، و لا معنى له مع عدم الإمكان.
و الحاصل، أنّا قد بيّنا أنّ للإيمان مراتب أو معاني متعدّدة، و النّاس مختلفون فيها و كلّهم مؤمنون. و ما ورد في الآيات و الأخبار الدالّة على زواله، واردة على نفس الأمر لا على مجرّد من يحكم بإيمانه ظاهرا، و لا داعي الى تأويله، فإذا لم يقم البرهان على اشتراط حقّ اليقين في إيمان كلّ النّاس، فهذه الظّواهر كلّها دليل على كفاية مجرّد اطمئنان النّفس فيها، و إلّا لم يتحقّق الزّوال و لم يثبت مصداق لهذه الآيات و الأخبار.
و مناط الاستدلال بأخبار المعارين و المستودعين أنّهم (عليهم السلام) كانوا يعاملون معهم