القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٠٢ - الحادي عشر في الملكة المستقيمة
السّرعة فضيلة أخرى يؤتيها اللّه تعالى من يشاء.
و أمّا استقامة الطّبع فهي في مقابل اعوجاج السّليقة، و الاعوجاج من المعايب الحاصلة للذهن، كالاعوجاج الحاصل للبدن، لمّا كان الأصل و الغالب هو الصحّة، فالمناط في معرفتها الرّجوع الى غالب الأفهام، و إلّا فالذي يكون معوّج السّليقة لا يعرف بنفسه أنّ طبيعته غير مستقيمة.
و لا يذهب عليك أنّ المراد بالاستقامة ليس إصابة نفس الأمر، و إلّا فيلزم الحكم باعوجاج سليقة أغلب الفقهاء بسبب اختلافهم في ردّ الفروع الى الأصول، بل المراد أن يكون ذلك الردّ ممّا لا يأبى صحّته الأفهام الغالبة، و إن كان مرجوحا عند من خالفه في الردّ فمرجوحيّة أحد الأقوال المتخالفة أو كثير منها بالنّسبة الى الآخر ليس معناه عدم الاستقامة، و لا يلزم منه الحكم باعوجاج طبع صاحبه.
و الحاصل، أنّ المجتهدين المختلفين حين يستفرغون وسعهم في تحصيل نظر كلّ واحد منهم من الدّليل ما لا يحكم من اقتصر نظره عليه من أصحاب الأفهام السّليمة إلّا به، فمخالفة الآخر له مع استقامة طبعه إنّما هو لخفاء ما، ظهر له من الوجوه عليه، أو لظهور ما يبطل ما فهمه الآخر عليه، فتفاوت أفهامهم حينئذ إنّما هو بسبب تفاوت ظهور المأخذ و خفائه، لا بسبب الاستقامة و الاعوجاج.
ثمّ إنّ القاعدة التي ذكرنا من عدم تكليف الغافل و الجاهل في المباحث السّابقة يقتضي جواز عمل غير مستقيم الطّبع أيضا على مقتضى فهمه في المبادئ، و لكن مع تفطّنه لاحتمال الاعوجاج و تقصيره في التفحّص فليس بمعذور، فعليه أن يعالج نفسه و يتفحّص عن حالها، و يعرض فهمه على فهم مشاهير العلماء المسلّمين للكلّ، المعتنين عند أولي الأفهام. و يستعلم حاله بهذا الميزان المستقيم