القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٣٥ - فيما يدل على جواز التّجزي مشهورة أبي خديجة
بينكم قاضيا فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه».
و اعترض عليه بما حاصله، أنّ العلم بشيء من القضايا إن أريد به ما يشمل الظنّ المعلوم الحجّية، فالمنكر للتجزّي يدّعي أنّه لا يحصل إلّا لمن أحاط بمدارك جميع المسائل، فالعلم بشيء من القضايا لا ينفكّ عن المطلق، و إن أريد به العلم الحقيقيّ فموضع النّزاع إنّما هو ظنّ المتجزّي لا علمه.
أقول: و يمكن دفع ذلك بأنّ أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) استدلّوا بمقبولة عمر ابن حنظلة [١] على جواز عمل المجتهد المطلق بظنّه و التّحاكم إليه، حيث قال (عليه السلام) فيها: «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكما»، الحديث.
فنقول أوّلا: إنّ ظاهر الرّوايتين هو العلم و الخطاب الشّفاهيّ، و إن كان مخصوصا بالحاضرين لكنّ الغائبين مشتركون معهم في أصل التكليف، فإذا لم يكن للغائبين الرّجوع الى العالم بالأحكام بالعلم الحقيقي، فيكتفى بالظّانّ من جهة استفراغ الوسع في الأدلّة المعهودة، فكما أنّ الظانّ بجميع الأحكام من جهة استفراغ وسعه في جميع أدلّتها يقوم مقام العالم بها كما في مقبولة عمر بن حنظلة، فكذلك الظانّ ببعض الأحكام من جهة استفراغ وسعه في أدلّة ذلك البعض يقوم مقام العالم بذلك البعض المذكور في رواية أبي خديجة.
فإن قلت: ذلك الظنّ ثبت حجّيته بالإجماع فيقوم مقام العلم بخلاف هذا.
قلت: هذا خروج عن الاستدلال بالرّواية و رجوع الى أصالة حرمة العمل بالظنّ، و قد مرّ الكلام فيه، و كلامنا هنا في الاستدلال بالرّواية.
[١] «تهذيب الأحكام»: ٦/ ٢٤٤ كتاب القضايا و الأحكام باب ١ ح ٦.