الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٦٠ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية
على النهي عنه بنص أو إجماع فهو حرام ، وسمعا وطاعة ، ومن أراد استباحته حينئذ فهو آثم كاذب عاص ، وإن تأت على النهي عنه بنص ولا إجماع فأنت كاذب ، وذلك الشئ ليس حراما .
فهل في العالم حكم يخرج عن هذا ؟ فصح أن النص مستوعب لكل حكم يقع أو وقع إلى يوم القيامة ، ولا سبيل إلى نازلة تخرج عن هذه الأحكام الثلاثة ، وبالله تعالى التوفيق .
ثم قد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما جاءت به هذه الآيات ، كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي ، ثنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بإسماعيل ، ثنا إسماعيل هو ابن أبي أويس ، ثنا مالك ابن أنس ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم .
قال أبو محمد : فهذا حديث جامع لكل ما ذكرنا ، بين فيه صلى الله عليه وسلم أنه إذا نهى عن شئ فواجب أن يجتنب ، وأنه إذا أمر بأمر فواجب أن يؤتى منه حيث بلغت الاستطاعة ، وأن ما لم ينه عنه ، ولا أمر به ، فواجب ألا يبحث عنه في حياته عليه السلام ، وإذ هذه صفته ففرض على كل مسلم ألا يحرمه ولا يوجبه ، وإذا لم يكن حراما ، ولا واجبا ، فهو مباح ضرورة ، إذ لا قسم إلا هذه الأقسام الثلاثة ، فإذا بطل منها اثنان وجب الثالث ، ولا بد ضرورة ، وهذه قضية النص ، وقضية السمع ، وقضية العقل التي لا يفهم العقل غيرها ، إلا الضلال والكهانة والسخافة التي يدعيها أصحاب القياس أنهم يفهمون من الوطئ الاكل ومن الثمر الجلوز ومن قطع السرقة مقدار الصداق ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ثم نعكس عليهم سؤالهم فنقول لهم : إذا جوزتم وجود نوازل لا حكم لها في قرآن ولا سنة ، فقولوا لنا : ماذا تصنعون فيها ؟ فهذا لازم لكم وليس يلزمنا ، لان هذا عندنا باطل معدوم لا سبيل إلى وجوده أبدا ، فأخبرونا إذا وجدتم تلك النوازل أتتركون الحكم فيها ؟ فليس هذا قولكم ، أم تحكمون فيها ؟ ولا سبيل